من الاستغراب إلى "الاستحسان" أميركياً وأوروبياً! - سركيس نعوم (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لا يزال زعيم "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري يهاجم الرئيس الحالي للحكومة نجيب ميقاتي سواء في مواقفه الإعلامية او في المحادثات التي يجريها مع المسؤولين الكبار في عدد من العواصم الاقليمية والدولية. واذا كان موقفه هذا يثير حماس مؤيديه اللبنانيين والثوار السوريين وكذلك رفاق له في فريق 14 آذار يصرون مثله على استقالة حكومة ميقاتي، فإنه يثير شيئاً من الاستغراب عند محاوريه من الاجانب. فميقاتي اتى الى الرئاسة الثالثة بانقلاب نيابي حوَّل اكثرية الحريري اقلية، رعاه الرئيس بشار الاسد قبل ان يُبتَلى بثورة متصاعدة لا يعرف احد مداها ونهايتها، ونفَّذه "حزب الله" في لبنان. وما كان احد يتوقع ان يمارس "الوسطية" التي يقول انه يؤمن بها لولا اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا ضد صديقه وحليفه وراعيه بشار، بل لولا تحوّلها ثورة مفتوحة على حرب اهلية وقادرة ربما بعد سنوات على انتاج سوريا جديدة نظاماً وأوضاعاً. علماً ان هذه السوريا قد تكون افضل وهذا ما يتمناه اللبنانيون والسوريون والعرب والعالم. لكن لا شيء يمنع ان تكون اسوأ، لأن الحروب الاهلية، وفي دولة عالمثالثية تمزّقها الطائفية والمذهبية والعشائرية والتخلف والفساد، لا تنتهي دائماً بأنظمة حرة وديموقراطية. ولبنان دليل ذلك. والعراق دليل آخر، علماً ان في تجربته، الى الاقتتال الداخلي، الاحتلال الاميركي والتدخل الايراني والسوري. وقد دفعته وسطيته (اي ميقاتي) الى السعي للمحافظة على وضع مقبول له في اوساط طائفته السنّية، وعلى علاقات كانت جيدة مع جهات دولية واقليمية، والى التمسك بالتزامات لبنان الدولية وفي مقدمها دفع حصته من تمويل "المحكمة"، والى عدم تسهيل تنفيذ الاجندا التي كان يعتقد "حزب الله" وحلفاؤه وفي مقدمهم "التيار الوطني الحر" ان من شأنها وضع الدولة بمؤسساتها المتنوعة في قبضتهم. ولم يفعل ميقاتي ذلك كله لأنه مغامر. فالمغامرة ليست جزءاً من شخصيته، بل لأنه اجرى الحسابات اللازمة بدم بارد، فاستنتج ان راعييه المحلي والاقليمي في حاجة الى بقاء حكومته عاملة، وان حشره سيدفعه الى تقديم استقالتها. ومن شأن ذلك كشف عدم بقاء الاكثرية الجديدة اكثرية، وربما إعادة الاكثرية النيابية الى اصحابها الأولين، الامر الذي قد يورط الجميع في تدهور لا يمكن ضبطه وعلى كل الصعد والمستويات. وكانت موافقة سوريا الاسد على تمويل حكومة ميقاتي "المحكمة" واقناعها "حزب الله" بذلك الدليل الابرز على صحة حساباته. لكن "العتب" الذي اظهره له علانية الامين العام لـ"الحزب" السيد حسن نصر الله في ظهوره التلفزيوني قبل الاخير، والذي بدا فيه غاضباً بتعقل ومطالباً بمقابل للتمويل يحقق بعض "اجندته"، ومحذراً من التحول الى المغامرة، قد يجعل ميقاتي يتريث في الهجوم بعض الشيء، اولاً في انتظار هضم المكاسب التي حصل عليها. وثانياً في انتظار تطورات اقليمية تمكّنه ربما من السير قدماً في استقلالية تعزز شعبيته السنية، وتطلق يده في مواجهة اخصامه، وتعيد الرضى التام عنه للخارجين الاقليمي والدولي اللذين شككا فيه كثيراً منذ تولّيه رئاسة الحكومة.
إلا ان الاستغراب لم يبق الشعور الوحيد الذي ساور المسؤولين الاجانب حيال التصرفات الايجابية لميقاتي. اذ حل مكانه الاستحسان. وقد عبّر عنه رئيس وزراء فرنسا برسالة تقدير ومودة وجهها اليه بعد تمويله "المحكمة"، ودعاه فيها الى زيارة باريس ولقائه ورئيس الدولة. ويُرجَّح ان تُلبى الدعوة في الاسبوعين الاخيرين من الشهر المقبل، اولا بسبب انشغال ميقاتي بمشكلات عدة وبالاعياد. وثانياً، بسبب انشغال الادارة الفرنسية بجملة من الاستحقاقات لمناسبة الاعياد. كما عبّرت عن الاستحسان وزيرة خارجية اميركا التي وجهت اليه رسالة خطية سلّمها اليه قبل يومين مساعدها لشؤون الشرق الادنى جيفري فيلتمان الذي وصل الى بيروت في زيارة رسمية.
هل يعني الاستحسان موافقة تامة ونهائية اوروبية - اميركية على سياسة ميقاتي وحكومته، وعلى اعتباره حليفاً ثابتاً ملتزماً سياسات مؤيدة لهما؟
طبعاً لا، تجيب مصادر ديبلوماسية غربية مطلعة. لكنه يبقى في الظروف الراهنة افضل من غيره، وخصوصاً في ظل تعذُّر انقلاب ميزان القوى اللبناني على النحو الذي تُفضِّله واشنطن وباريس وحلفاؤهما وتالياً تأليف حكومة افضل، وفي ظل ضعف فريق 14 آذار الذي ظهر في مهرجان طرابلس وتحوُّل 14 آذار مذهبياً، كما في ظل تحوُّل 8 آذار شيعياً.