"لا للكراهية" … عندنا قبل غيرنا - مازن حايك (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
غطّت العلامة التجارية "ألوان بينيتون المتّحدة" شوارع العالم أخيراً، بحملتها الإعلانية "لا للكراهية"("Unhate")، المؤلّفة من ملصقات طرق عملاقة، تُظهر قادة كباراً، مدنيّين وعسكريين وروحيين، متخاصمين أو على طَرَفيْ نقيض، وهم يتبادلون القبل الحميمة والحارّة فماً بفم، في صور مركّبة إلكترونياً، ما شكّل حدثاً تسويقياً لافتاً. تأتي الحملة في السياق عينه الذي اعتمدته حملات "بينيتون" السابقة في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، والتي ركّزت بمعظمها على الجرأة والإثارة والذهول والصدمة، كأرضية إبداعية وترويجية مشتركة. لكن الحملة الأخيرة أثارت جدلاً أخلاقياً واسعاً فاق سابقاتها، خاصة في ما يتعلّق بالمُلصق الذي حمل صورة حميمة لشيخ الأزهر محمد أحمد الطيّب والبابا بينديكتوس السادس عشر.
بعيداً من الجدل الأخلاقي هذا، والذي طال شؤون الدين والدنيا، ولامس مسائل الجنس والمثلية، وامتدّ إلى الحريّات الخاصة والشخصية، وقارب آفة العنصرية... لا بدّ من التوقف أمام الهدف الأساسي من الحملة، الساعي إلى "محاربة ثقافة الكراهية بكل أشكالها"، عبر التواصل والإعلان. إذاً، الهدف مقبول ومشروع، لا بل يحمل قضية نبيلة، وهو يسعى، عبر الإبداع، الى إصلاح ما أفسدته السياسة والحروب والصراعات، وما فاقم منه التطرّف والإرهاب، وما عجز عن معالجته القادة والزعماء. كما يصبو إلى التواصل مع الناس، لتوعيتهم، وتحفيزهم، وشحذ هممهم، وتشكيل رأي عام ضاغط. قد تكون الطريقة الجريئة والاستفزازية التي اتبعتها "بينيتون"، أضرّت بالقضية، وصدمت البعض، وأثارت حفيظة البعض الآخر، وأتت بنتائج عكسية على أعمال العلامة الإيطالية. لكنها، نجحت عبر تخطّيها الحدود الإبداعية، في جعل الناس يتكلّمون عن "بينيتون"، ويكتبون عنها، ويتبادلون اسمها، ما بين مؤيّد ومعارض، وداعم ومُناهِض... كما أعادت طرح مسألة "صراع الحضارات"، وضرورة مقاربته بمزيد من الثقة والتلاقي والحوار والمحبة والتسامح.
ما أحوج لبنان واللبنانيين اليوم، مسلمين ومسيحيين، حُكّاماً ومحكومين، إلى نبذ التفرقة، وطرد شبح الفتنة الطائفية والمذهبية، ووقف الانزلاق المروّع نحو الهاوية، والدعوة إلى حوار وطني جامع، من دون شروط مسبقة، عوضاً عن الانصياع لـ "كراهية" السياسيين المُفرِطة، والتقوقع في الماضي وآلامه وشعاراته، وتأجيج الخلافات والصراعات، وجعل لبنان مهدّداً بسيادته واستقلاله وقراره الحرّ، وكأنه أصبح بلداً غير قابل للحُكم، ومرادفاً للفرص الضائعة وخيبات الأمل على مرّ الأجيال، وعنواناً للتضحية بشباب لبنان وشيبه من أجل سياسيّيه!
أفليس لنا مَن يُطلِق حملة "لا للكراهية" عندنا قبل غيرنا... لنُردّد معه، هاتفين وقائلين: "لا للكراهية، وألف لا"؟!