بشارة ليببا وتونس - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
في يوم واحد، توصل العرب والعالم الى اكتشافين مذهلين، الاول ان هناك شعباً ليبياً موجوداً يمكن أن يحتشد في مكان واحد، ويمكن ان يجتمع في كيان واحد حول هوية موحدة وهدف مشترك، والثاني أن هناك شعباً تونسياً يخرج من الاسرة العربية ويلتحق بأوروبا الغربية لينافس دولها وشعوبها في التحضر والرقي.
في ليبيا كان الاحتفال بما سُمّي «اعلان التحرير» مؤثراً فعلاً. وبدا ان الطاغية معمر القذافي حقق في ايامه الاخيرة معجزة تظهير وتوحيد الشعب الليبي، الذي كان حتى الامس القريب مثار استهزاء اشقائه العرب واستخفافهم، او على الاقل إنكارهم حقه في ان يعلن عن نفسه وفي ان يطالب باستعادة ما سلب منه طوال اربعة عقود او اكثر، وفي ان يطمح الى تأسيس دولة طبيعية بمؤسسات مقبولة وطموحات معقولة، لا يشوبها أي مسّ بالجنون.
كان الاحتفال منعطفاً حاسماً. تاريخ ليبيا يكتب من جديد. شعبها يتعلم الأحرف الاولى من قوانين الاجتماع الوطني. ثمة قدر كبير من البساطة والعفوية في الحشد وفي الوجوه وفي الرموز وفي الكلمات التي ألقيت، وكانت في معظمها دون مستوى الحدث، لكنها لم تكن مفتعلة، ولا كانت مكتوبة بوحي من احد، سوى الشارع التونسي والمصري الذي كان وسيظل مثالاً يحتذى بالنسبة الى الليبيين.. بعدما كادت العقد النفسية للعقيد تحوّله أكثر من مرة إلى هدف للاستعلاء وبل وحتى الاستعباد.
لم يخرج أحد عن النص، ولم يخرق أحد النظام. كان الخلاف ظاهراً لكنه كان طبيعياً، ومن داخل ذلك الاجتماع، من دون أن يوحي بأن ثمة فراقاً على الاسس القبلية او الجهوية او حتى السياسية التي تشكلت منها الثورة وانتصرت. وكان الغرب الاطلسي او الاوروبي الغربي حاضراً، من دون ان يكون ضاغطاً يستعيد تجربة الاستعمار من القرن التاسع عشر او يستطيع ان يكررها في القرن الحادي والعشرين.. مع شعوب غادرت تخلفها الماضي، وقررت ان لا تكون اقل شأناً من مستعمريها السابقين.
كان الاكتشاف الليبي بدائياً بالمقارنة مع ما قدّمه الشعب التونسي من نموذج فريد في الاجتماع والسياسة والوعي، يزيد المسافة بين تونس وبين بقية اشقائها العرب الذين لا تزال غالبيتهم الساحقة تعيش في دول تعتمد على انماط القرون الوسطى، اما المتقدمة منها فهي لا تزال اسيرة التجربة العثمانية، وتعتقد أن العثمانيين الجدد هم المثال والممر الإجباري الى بناء الدولة الحديثة على انقاض الفضائح القومية والإسلامية التي ظهرت في القرن الماضي.
لم تكن تونس التي زحفت الى مراكز الانتخابات لتؤكد تمثلها للثقافة الغربية بأبهى صورها، وتحقق المصالحة بين مكوناتها الاجتماعية والسياسية المتنوعة، بحاجة الى هوية وطنية. صارت الديموقراطية هويتها، وبات شعبها جديراً بالتباهي امام العرب وامام العالم، وبالأخص الاتحاد الاوروبي، انه لم يعد ذلك الابن غير الشرعي للعروبة المشوهة، او التجربة الاوروبية المموّهة. باتت تونس عنواناً قائماً بذاته وحلماً يرتجى من جانب بقية الشعوب العربية، ومثالاً يحتذى من قبل غالبية شعوب العالم.