Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

هل يمكن للبحيرات الجبلية أن تشكل البديل عن السدود السطحية المكلفة والخطرة؟ - حبيب معلوف (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

بين المآخذ التاريخية على ما كان يسمى «الخطة العشرية» لادارة المياه في لبنان، انها كانت تختصر بخطة لانشاء السدود السطحية. واذ لا تزال وزارة الطاقة عبر خطتها الاستراتيجية التي عرضتها على مجلس الوزراء تتمسك بهذا الخيار، بالرغم من التحسينات الجوهرية على الخطة القديمة، لا بد من اعادة فتح النقاش حول هذا الخيار الذي بات مسلمة عند ما يسمى الموالاة والمعارضة، وعند الغالبية الوزراء والنواب في لبنان.
لطالما كان المأخذ الاستراتيجي على الخطط المعروضة انها لا تستند الى ارقام ودراسات دقيقة حول المعطى الحقيقي من متساقطات في لبنان (من امطار وثلوج)، والتي تتطلب اجهزة قياس وفرق متخصصة في الرصد الدائم والمتابعة والتسجيل، مع افضلية ان تكون تلك الاجهزة من ضمن ملاك وزارة الطاقة نفسها. وهو مأخذ لم يصحح بعد. فلو كان هناك اجهزة رصد تقوم بدراسات دائمة للاحواض الجوفية والمجاري السطحية والمعطى من الينابيع المتفجرة وكيفية استخدام الثروة المائية في لبنان والتوفير فيها... لكنا فكرنا في الكثير من الحلول التي تغنينا عن اللجوء الى خيار مكلف وخطر كانشاء السدود السطحية المخالفة لقوانين الطبيعة التي تخزن المياه تحت الارض وليس فوقها. ولكان بالامكان تعزيز فكرة انشاء البحيرات الجبلية الصغيرة، غير المكلفة، وغير المؤثرة بشكل كبير على الانظمة الايكولوجية الدقيقة.
تتحدث الخطة الجديدة (الاستراتيجية) عن انشاء البحيرات الجبلية مع السدود السطحية، ولكنها لا تتحدث عنها كبديل عن السدود. قد يستغرب البعض هذا الطرح، اذ ان بعض مشاريع السدود ستذهب للاستخدامات المنزلية. وهنا بيت القصيد. فما لم يفكر به هو في كيفية استبدال مياه الينابيع التي تستخدم للري بمياه البحيرات الجبلية، واستخدام مياه الينابيع السطحية للشرب بعد حمايتها ونقلها بالجاذبية دون اية كلفة تذكر. وقد تجد هذه الفكرة فعاليتها الكبيرة، اذا ما تم منح هذه المياه لمن لديهم «حقوق مكتسبة»، او ما يسمى حق الانتفاع للري واسترداد المياه العذبة وإعادة توزيعها للناس.
رئيسة اللجنة الإدارية في «المشروع الاخضر» غلوريا ابو زيد اكدت لـ«السفير» ان هذه الفكرة لم تطرح بالرغم من اهميتها، ونها خارج اختصاص المشروع الاخضر وهي من صلاحيات وزارة الطاقة والمياه.
لكن ما هي تجربة هذا المشروع في انشاء البحيرات الجبلية؟ ما هي كلفتها بالمقارنة مع انشاء السدود؟ وهل كان بالامكان ان تشكل بديلا بالاضافة الى دورها في دعم الزراعة والمزارعين؟
يقدر رئيس المصلحة الفنية في المشروع واصف شرارة، المساحة الزراعية المستثمرة SAW في لبنان بما يقارب 260 ألف هكتار ومساحة الأراضي المروية بحوالى 90 ألف هكتار، أي ما يمثل 34% من تلك المساحة التي بدورها تمثل 25% من اجمالي مساحة لبنان. بمعنى ان 66% من الزراعة اللبنانية هي زراعية بعلية.
كما يؤكد «ان طريقة الري المعتمدة هي طريقة بدائية تستنفذ كميات اضافية من المياه لا طائل منها بحيث ان 47% من المياه المستعملة في طرق الري البدائية تذهب هدراً». من هنا فإن ادارة المشروع الأخضر وتلافياً لهذا الهدر الحاصل وحفاظاً على الكميات المتاحة وعملاً بمبدأ التنمية المستدامة عملت في السابق ولا تزال تعمل على نشر ثقافة ترشيد استعمال المياه وتشجيع اعتماد الري الحديث وتقدم للمزارع الوسائل والمواد التي تمكنه من الوصول إلى هذا الهدف وتعمل على تحقيق هذه الغاية.
وانطلاقاً أيضاً من مقولة الحفاظ على كل نقطة ماء، فإن المشروع الأخضر وضع نصب عينيه البحث عن مصادر جديدة وقام باحداث تغيير في انماط استعمالات المياه وبتشجيع اعادة استعمالها إضافة إلى حماية المصادر المائية من التلوث والابتعاد عن الاستعمال المفرط وذلك بهدف استدامة استعمالها.


العاقورة نموذجا


يؤكد شرارة ان تجربة البحيرات الجبلية التي اعتمدها المشروع الأخضر بدأت منذ نهاية الستينيات وقد أصبحت ظاهرة يمكن الاعتداد بها على غرار ما حصل في بلدات مثل العاقورة (حيث يوجد أكثر من 120 بركة جبلية) وترشيش وبسكنتا وضهور زحلة... الخ، فقد استطاع المزارعون بفضل وجود هذه البرك من أحداث تغيير في أنماط حياتهم وفي زراعاتهم وفي دخلهم واستقرارهم المعيشي، كما دلت هذه التجربة ان التوجه نحو العمل التعاوني يمكن ان يجد الحلول للكثير من المشاكل التي يواجهها المزارعون، ويمكن ان يتعاون مجموعة من المزارعين للاستفادة من بركة كبيرة تؤمن لهم ما يحتاجون من مياه، خاصة في فصل الصيف. وبنتيجة تلك التجربة فإن هذه البرك تساعد المزارعين في ري أراضيهم كما ان البعض يستعملها للاستخدام المنزلي. وهي بذلك قد شكلت حلاً لمواجهة النقص في المياه المتاحة لأنه من المفترض بعد الانخفاض الحاصل في معدل الهاطل المطري لا بد من ان ينخفض معدلات الاستهلاك والهدر بشكل يسمح بتحويل الزيادة على طلب المياه لتلبية متطلبات التنمية بفروعها...


انتاج اكبر بمياه اقل


ويعتبر شرارة «ان المشروع الأخضر من خلال تجربته في تعميم فكرة البحيرات الجبلية قد توصل إلى نتائج أعطت إنتاجاً أكبر بمياه أقل ومكنّت المزارعين من حصاد مياه الأمطار التي كانت تذهب هدراً ودون الاستفادة منها بل عملت على تجميعها وخزنها لحين الحاجة إليها، وعليه فإن الإدارة اليوم تعمل على تعميم هذه التجربة من خلال مشروع أطلق عليه اسم حصاد HASAD الغاية منه حصاد مياه الأمطار والمحافظة عليها، لحين الحاجة إليها، خاصة في فترات الجفاف وخلال فصل الصيف، كما يمكن ان يستعمل قسم منها للاستعمال والاغراض المنزلية».
وعليه فإن من المنتظر المباشرة بهذا المشروع الذي تم تلزيم ثلاث بحيرات كبداية له تقع في القمامين (عكار) ومارون الرأس (الجنوب) ومرجحين (الهرمل ـ البقاع) سيتم المباشرة بها بعد الانتهاء من بعض الإجراءات الإدارية على ان تستكمل خلال العام المقبل ويستمر العمل بهذا المشروع لغاية العام 2015.
وعن الفائدة من إنشاء هذه البرك يقول شرارة: «تقع الفائدة في المقام الأول في تأمين مورد مائي مستدام دون الحاجة إلى استنزاف الموارد الجوفية، كون هذا المورد يتم جمعه من مياه الأمطار، بل بكلمة اصدق وأدق يتم حصاده. ولو افترضنا اننا قمنا بإنشاء 40 بركة سعة كل منها 50 ألف متر مكعب فبهذا نكون قد أمنا حوالى المليوني متر مكعب من المياه لتصبح كمية متاحة تلبي الحاجة المتزايدة.


مشروع حصاد


تم التوقيع على مشروع التنمية الزراعية المستدامة في المناطق الجبلية (حصاد) العام 2010 وبدا الاعداد له من العام 2007 ويشمل مناطق عكار الضنيه شمال بعلبك الهرمل وجبل لبنان والجنوب وخاصة جنوب الليطاني. قيمة المشروع 16،5 مليون دولار من الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (ايفاد) الذي اعتمد على خبرات المشروع الاخضر في حصاد مياه الامطار واستصلاح الاراضي. يقوم المشروع بالعمل على انشاء برك جبلية في المناطق اللبنانية الاكثر فقرا بهدف تحسين ادارة الاراضي والمياه من اجل الوصول الى انتاج زراعي افضل.. كما يهدف الى انماء قدرات الحفاظ على المياه والتربة عن طرق انشاء حوالي 20 بركة جبلية تتراوح سعة الواحدة من 20 الى مئة الف متر مكعب، بالاضافة الى انشاء جدران دعم بحوالى 500 دونم في الاراضي البعلية بهدف زراعتها بالاشجار المثمرة وإنشاء حوالى مئة خزان من الباطون الصغير الحجم.


كلفة البرك الجبلية


وحول كلفة البرك الجبلية وأنواعها، يشرح المهندس ريمون خوري من المشروع الاخضر لـ«السفير»: «هناك فرق بين ان لا تحتاج البركة الجبلية الا للحفر اذا كانت الارض دلغانية، او ان تحتاج البحيرة للتلبيس بعد الحفر».
ويقدر خوري كلفة الحفر العادي بما بين 3 و4 دولارات لكل متر مكعب، بحسب طبيعة الارض. اما كلفة التلبيس بالبولي ايتيلين، فهي تحدد حسب السماكة. فكلفة نصف ملم خمسة دولارات للمتر المربع ويمكن ان تصل الى الضعف (10 دولارات)، بحسب شكل البحيرة ومساحتها. ويمكن ان تصل الكلفة الى اكثر من ذلك ايضا.
وؤكد خوري «ان الطبقة الدلغانية مثالية للبحيرات الجبلية مع تصوينها لحمايتها من الناس والحيوانات».
ويستدرك: «عندما يتخطى حجم البحيرة مئة ألف متر مكعب من المياه تصبح مسؤولية وزارة الموارد المائية والكهربائية».


المحافظة على المخزون الجوفي


وكي يبدو جلياً دور البحيرات الجبلية في تأمين مصدر اضافي للمياه يعود شرارة الى الميزان المائي الذي يظهر أن الموارد المائية المتاحة تقدر بـ295 مليون متر مكعب في السنة بينما الاحتياجات المائية هي بحدود 985 مليون متر مكعب خلال العام الحالي وستصل إلى 1955 مليون متر مكعب خلال العام 2030. وبهذا فإن العجز الحالي هو بحدود 690 مليون متر مكعب يمكن ان نؤمن قسم منها عن طريق البحيرات الجبلية ومن المياه الجوفية ومن الينابيع. لكن النقطة الأهم هي عدم استنزاف تلك الموارد، وترشيد استعمالات المياه ومنع الهدر خاصة في مجالات الري والاستخدام المنزلي ، كون الري يستنزف 84% من كمية المياه. بالمقارنة مع الحاجات المنزلية 12% (اضافة لمياه الشرب) والصناعية 4%. ويتوقع شرارة ان تصبح هذه النسبة خلال العام 2020 على الشكل التالي: 31% للحاجات المنزلية و11% للصناعة و58% للزراعة والري.
ويؤكد شرارة على ضرورة المحافظة على المخزون الجوفي ليبقى مخزوناً استراتيجياً. ويقتضي ذلك تشجيع إقامة محطات تكرير للمياه لاعادة استخدامها لأغراض الري الذي يجب ان نصل إلى الزاميته بحيث يصبح قانوناً إلزامياً يجب إقراره واعتماده.
وان المطلوب اليوم هو نشر ثقافة ترشيد استعمال المياه وكيفية المحافظة عليها وتعزيز الوعي المائي لدى المستهلكين لهذه الثروة المهمة خصوصاً ان معاناة المدن والبلدات من نقص مياه الشرب اصبحت معضلة تزداد يوما بعد يوم وعاما بعد عام لا سيما في السنوات العشر الأخيرة.
ان اختلال التوازن بين ما هو متاح وما هو مطلوب يؤدي إلى ندرة المياه لذا فإننا مطالبون في هذه المرحلة بزيادة حاصلاتنا من الغذاء مقابل استخدام كميات أقل من المياه وذلك عن طريق الأبحاث التي تستبدل الزراعات التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه بأنواع مؤصلة تعطي زيادة في الإنتاج وتحتاج إلى كمية أقل من المياه عملاً بشعار: «إنتاج أكبر بمياه أقل».


الأمن المائي والغذائي


المعطى الاساسي الذي يجب الارتكاز عليه عند صياغة أي استراتيجية للأمن الغذائي هو كمية المياه المتاحة. وهذا يستدعي من المعنيين اعادة ترتيب الأولويات خاصة ما يتعلق منها ببعض المحاصيل الزراعية لأننا اصبحنا نعاني من الفقر المائي. كما ان التكلفة الاقتصادية لدعم مشاريع الري هي مرتفعة وقد تدفع المزارعين إلى تبذير الكميات القليلة المتوافرة من الماء. ويرى شرارة ان إنتاج الحبوب لا يعد الحل الأمثل في ظل الشحّ المائي بالنظر إلى مردوديته الاقتصادية باستهلاكه للماء. لذلك فإن اختيار المنتوجات ذات القيمة المضافة العالية يساهم في خلق فرص أكبر للعمل في الأرياف وتحسين المستوى المعيشي للسكان وهذا ما يمنحهم قدرة أكبر لمواجهة تحديات الأمن الغذائي. إن الإقلاع بالقطاع الزراعي يجب ان يرتكز على استراتيجية متكاملة ليس الحد من آثار الجفاف الهدف الرئيس لها، انما بتحسين ادارة كل ما له علاقة بهذا القطاع سواء من حيث فتح أبواب الاستثمار فيه او من حيث الاتجاه نحو زراعات متحملة للجفاف.


وقف الري بالجر


ويؤكد شرارة «ان الإقلاع عن وسائل وطرق الري القديمة يعتبر المدخل الأول لتحسين الادارة، لان طرق الري القديمة وما هو معروف بطريقة الري بالجر يتسبب بهدر 47% من المياه وان استخدام طرق الري الحديثة هي الطريقة المثلى التي يجب اعتمادها. بل أكثر من ذلك يجب الاتجاه الى إلزامية تطبيقها، لان الكثير من الدول ألزمت المزارعين بوجوب اعتماد طرق الري الحديثة ووضعت حوافز وضوابط لاعتماد هذه الآلية.
كما ان إنشاء البرك والبحيرات الجبلية والسدود الصغيرة هو اجراء لا بد منه طالما اننا نعمل على حصاد مياه الأمطار للاستفادة من كل قطرة ماء وللتوقف عن الاستنزاف الجائر للموارد المائية وحماية المصادر المائية من التلوث واعتماد سياسة مائية وبيئية موجهة لتعزيز التنمية المستدامة والتنسيق بين مختلف المؤسسات العاملة والمعنية بهذا القطاع.

← Back to Selected Articles