القذافي “ما عرف الحرام”… وقاتلوه؟ - سركيس نعوم (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
نشرت الزميلة “الشرق الأوسط” السعودية خبراً يؤكد ان الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي طلب بعد اعتقال الثوار له الرحمة بقوله لهم: “حرام عليكم”. فأجابه احدهم: “انت ما تعرف الحرام” وبقية القصة معروفة وهي تعرضه للمهانة والضرب ولاحقاً للقتل الذي تباهى به اثنان لاحقا امام عدسات كاميرات تلفزيونية وخليوية. وفي “المباهاتين” المذكورتين كان ثوار وجمهور يهللون لموت الطاغية بغض النظر عن الطريقة التي انتقل فيها الى جوار ربه حيث يستبعد المؤمنون في العالم ان يبقى بعد “المساءلة والعدالة الالهيتين”. ذلك ان مصير شخص مثله بعدهما لا بد ان يكون النار.
هل صحيح ان القذافي “ما عرف الرحمة” كما قال أحد الثوار؟
من يعرف الرحمة لا يقتل مئات السجناء في وقت واحد، ولا يتسبب بمقتل الوف من شعبه لتمسكه بالسلطة. ومن يعرف الرحمة لا يقضي على دولة قائمة ولا يُدمِّر مؤسساتها المتنوعة ويبني بدلاً من جيشها ميليشيات تأتمر به وابنائه وقبيلته. ومن يعرف الرحمة لا يلغي رفاق الدرب بالقتل أو بالخطف أو بالحبس أو بالاقامة الجبرية أو بالتهجير. ومن يعرف الرحمة لا يحول الشعب الليبي عبداً له. ومن يعرف الرحمة لا يحرم الشعب حقه في تقرير مصيره وفي الاشراف على ثرواتها، ولا يصرف هذه الثروات على تسليح صدئ في المستودعات وعلى ملذاته وعلى مشروعات خيالية. ومن يعرف الرحمة لا يسقط طائرتين متسبباً بمقتل مئات الناس ولا يخطف ابناء دول اخرى ولا “يبعزق” امواله تعزيزاً لنرجسيته على دول فقيرة قادتها يحبون المال حلالاً كان أو حراماً، وعلى شراء ولاء منظمات عربية واجنبية جاهزة لتخريب بلدانها من أجل امتاعه بنفوذ فيها، وعلى تمويل مؤسسات حزبية واعلامية عربية واسلامية وافريقية مهمتها الفعلية تمجيده واقناع الناس بأنه فعلاً خليفة الزعيم الأبرز في تاريخ العرب الحديث الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وفي اختصار من يعرف الرحمة لا يصرف أموال شعبه، وهي هائلة بضخامتها، ثمناً لألقاب فارغة لا قيمة لها مثل “ملك ملوك افريقيا”. ومن يعرف الحرام لا يترك العروبة وقضاياها المحقة وإن أخطأ زملاؤه من القادة في الدفاع عنها ويذهب الى الأفرقة ثم ألى اسلام خاص به، ولا يغازل وان مداورة عدو العرب اسرائيل. ومن يعرف الحرام لا يساهم في خراب لبنان بتمويل حرب اهلية فيه وحرب خارجية متنوعة للسيطرة عليه، ولا يساهم أو لا يسعى الى نسف الثورة الفلسطينية تمهيداً للسيطرة عليها أو لتوظيفها. الا ان السؤال الذي يطرح اليوم بعد قتل القذافي على النحو المعروف هو هل ان ما فعله الذين اعتقلوه ثم قتلوه حرام؟
هو طبعاً حرام ايضاً. فالدين يحرِّمه. والانسانية تحرِّمه، والقوانين تحرِّمه علماً ان ليبيا بلا قوانين من 42 سنة، وعلماً ان مبررات ما حصل للقذافي كثيرة. وكان من الأفضل تقديم العلاج له وتقديمه لمحاكمة عادلة. وطبيعي ان يكون حكمها لطاغية ومجرم بحجمه الاعدام. ولم يكن هناك داع لأن يخاف أحد، داخل ليبيا او خارجها، مما قد تكشفه المحاكمة من اسرار قد تطال قسماً من الثوار أو قادتهم، او قسماً من الدول الداعمة لهم عسكرياً وسياسياً. فغالبية الذين عملوا معه من داخل لم يكونوا قادرين على رفض التعاون بسبب عنفه والاغراءات. اما الدول فهي اصحاب مصالح أولاً وليست اصحاب ايديولوجيا انسانية او اخلاقية. وانكشاف “تعاملها” السري او العلني مع القذافي لن يحرجها الا لساعات، اذا احرجها. تماماً مثلما حصل مع احراج “ويكيليكس”. ولن يؤثر على تطور الاوضاع داخل ليبيا.
ولأن ما يقلق بعد “الحرام”، الذي ارتكب في حق “من لا يعرف الحرام” وبعد الذي شاهده الجميع على التلفزيونات، هو عدم وحدة الثوار أو بالأحرى ضعف وحدتهم. وذلك قد يؤشر الى متاعب داخلية. وما يقلق ايضاً هو ان التجربة الليبية الأخيرة قد تؤثر على “الربيع العربي” المستمر من زاويتين. الأولى، استشراس الانظمة، التي يتحرك قسم مهم من شعوبها ضدها، للبقاء وإن ادى ذلك الى حروب وأنهار من الدماء. والثانية، تعزيز مخاوف الناس العاديين من الاكثريات والغالبيات من انتصار الثورات على الطغاة. والتشبّه هنا بما حصل في فرنسا بعد ثورة 1789 التي ارست الديموقراطية فيها وحكم الشعب من قتل وارهاب لتبرير ما قد يحصل في ليبيا وغيرها ليس في محله لاسباب كثيرة يعرفها الجميع. فهل يتحرك ثوار ليبيا الآن وسائر الثوار العرب لتبديد القلق المذكور أعلاه؟