نهاية الابتزاز الإسرائيلي ؟! - محمد السماك (المستقبل)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
بدأت الأرضية السياسية تهتز تحت أقدام الحكومة الاسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو. فعلى المسرح الاقليمي حدثت التطورات الآتية:
أولاً: تحول حرارة التعاون مع تركيا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً الى قطيعة ؛ حتى ان تركيا قررت اطلاق العنان لقواتها البحرية والجوية للتحرك في شرق المتوسط على نحو لم يسبق له مثيل منذ العهد العثماني. لقد تمكنت اسرائيل من اختراق الجبهة الاسلامية من خلال الحصول على اعتراف تركيا بها وبالتحالف معها. وكادت باكستان في عهد رئيسها السابق برويز مشرف تتبع تركيا بالاعتراف باسرائيل. ولكن الجنرال الباكستاني سقط أو أسقط- قبل أن يبادر الى ذلك. وها ان علاقات اسرائيل مع الكتلة الاسلامية (غير العربية) تعود الى نقطة الصفر من جديد، اي الى حيث يجب أن تكون!!.
ثانياً: فشل محاولة لي ذراع البرنامج النووي الايراني. صحيح ان ايران أعلنت انها ليست بصدد انتاج سلاح نووي، ولكن اسرائيل لا تصدق ذلك. وهي غير مطمئنة الى النوايا الإيرانية. ولقد حاولت مراراً استدراج ادارة الرئيس الاميركي باراك أوباما الى ضرب ايران، كما استدرجت من قبل ادارة الرئيس السابق جورج بوش لضرب العراق، ولكنها فشلت في ذلك. فهذه المرة استحال الجمع بين المحافظين الجدد، والصهيونية المسيحانية واللوبي اليهودي في الادارة الأميركية. ثم ان الولايات المتحدة التي كانت في عام 2003 تتطلع الى أن تتربع على عرش السلطة في العالم، تغرق اليوم في أزمة الديون والبطالة.
ثالثاً: كانت اسرائيل تنام على مخدة أمان معاهدة السلام مع مصر. ولكن ضامن هذه المعاهدة الرئيس السابق حسني مبارك عزل من منصبه. فسقطت معه الضمانات التي كانت تترجم اسرائيلياً نهباً للغاز المصري، وحرية للملاحة في قناة السويس، وسكوتاً مطبقاً على جرائم الحرب التي ترتكبها اسرائيل في قطاع غزة وفي الضفة الغربية وكذلك في لبنان. ومع قيام الانتفاضات العربية، أدركت اسرائيل ان الأوضاع لن تبقى على ما هي عليه، وان الانتفاضات سوف تنعكس على العلاقات معها عاجلاً أو آجلاً. ولعل أول مؤشر على ذلك كان الهجوم على مبنى السفارة الاسرائيلية في القاهرة. ثم كان طلب الحكومة المصرية الحالية إعادة النظر في معاهدة كمب دافيد بما يمكّن قوات الأمن المصرية من اداء دورها بشكل أفضل في شرق سيناء. فقد أثبتت التطورات ان رياح التغيير التي تهب على المنطقة العربية لن يصدها الجدار العازل الذي أقامته اسرائيل وانفقت عليه أكثر من مليار دولار.
وكما خسرت اسرائيل مكاسبها في اختراق الكتلة الاسلامية، فانها تقف على قاب قوسين أو أدنى من خسارتها المكاسب التي حققتها باختراق الجبهة العربية. حتى جبهة الجولان التي عرفت احتراماً مطلقاً لوقف النار منذ عام 1974، عادت واهتزت من جديد، لتذكر اسرائيل بان الاستقرار الذي يفرضه الاحتلال هو استقرار وهمي، وانه معرض للسقوط في أي وقت تحت ضربات حركة التغيير التي تعيد صناعة المستقبل العربي من جديد.
لقد رفضت اسرائيل عملياً وواقعياً المبادرة العربية التي اعلنتها القمة العربية في بيروت في عام 2002، وجددتها في مؤتمرات القمم العربية التالية. وأجهضت اسرائيل مبادرة اللجنة الرباعية الدولية (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) وسفهت المبادرة الأميركية التي قام بها الرئيس الأميركي باراك أوباما، واستهانت بانفتاح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) على مساعي التسوية رغم الاعتراضات التي اعلنتها حركة حماس، ورغم اعتراضات العديد من الفصائل الفلسطينية الأخرى. وعطلت اسرائيل مبادرة الوساطة التركية مع سوريا، وردت على كل تلك المبادرات بتوسيع الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبانتهاك حقوق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وإحراق مساجدهم وحقولهم ومصادرة منازلهم.
وبذلك تكون اسرائيل قد صدت الأبواب كلها في وجه الفلسطينيين والعرب والمسلمين وفي وجه المجتمع الدولي (الأوروبي الأميركي الروسي) ومنظمة الأمم المتحدة. وهي تعتمد في احتواء ردود الفعل الغاضبة على دور اللوبي اليهودي خاصة في الولايات المتحدة عشية الانتخابات الرئاسية، وبالتالي على قدرته على ليّ ذراع الادارة الأميركية لتضغط بدورها على حلفائها في أوروبا لقبول الأمر الواقع الذي تفرضه اسرائيل.
وكان آخر مؤشر هام على ذلك، الانتخابات الفرعية التي جرت في نيويورك. فقد تمكن اللوبي اليهودي من أن يوجه رسالة مكشوفة للرئيس أوباما تتعلق بالانتخابات الرئاسية المقبلة. اذ تمكن اللوبي من تأمين فوز عضو مجهول بوب تيرنل- من أعضاء الحزب الجمهوري المعارض للرئيس أوباما بمقعد في مجلس النواب احتكره الحزب الديمقراطي لدورات عديدة سابقة. لم يشفع للرئيس أوباما تراجعه عن الضغط على اسرائيل لوقف بناء المستوطنات. كما لم يشفع له موافقته على تمويل شبكة الدفاع الصاروخي الاسرائيلية رغم الضائقة المالية الخانقة التي تعاني منها الولايات المتحدة. فرئيس الحكومة نتنياهو أراد أن يوجه الرسالة مباشرة الى الرئيس أوباما. ومفادها أنه إما أن تقف الى جانب اسرائيل وتحصل على دعم اللوبي اليهودي الأميركي، وإما أن تواجه الفشل كما واجهه مرشحك الديمقراطي دافيد ويبرين في نيويورك !! ويبدو أن الرئيس أوباما اختار استرضاء اسرائيل. وقد جاء خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليؤكد هذا الخيار. وبذلك يكون قد تخلى عن المبادئ العامة التي اعلنها في خطابه الشهير أمام جامعة القاهرة بشأن احترام الحقوق الوطنية والانسانية للشعب الفلسطيني، وانحنى للضغط الاسرائيلي الأمر الذي يعني مواجهته خطر تحدي "الربيع العربي" الذي ازهرت براعمه في العديد من الدول العربية.
أثبتت اسرائيل مرة جديدة أنها تستطيع أن تبتز الرئيس الأميركي، تقريباً كل رئيس، ولكن ماذا تكون النتيجة؟.. هل يخرج خضوع الرئيس أوباما للابتزاز، اسرائيل من العزلة الدولية التي دفعها اليها الثنائي نتنياهو ليبرمان؟ لقد صدرت بيانات عن عدد من المنظمات الدولية تدين اسرائيل بسبب انتهاكها للمواثيق الدولية ولقرارات الأمم المتحدة ولحقوق الانسان ولمعاهدات جنيف. ولكن اسرائيل ضربت بذلك كله عرض الحائط. فالتهمة باللاسامية جاهزة للتشهير بأي من هذه الدول والمنظمات الدولية. حتى ان مستشارة ألمانيا انجيلا ميركل عندما تحدثت في المؤتمر الذي نظمته مؤسسة سانت ايجيديو في ميونيخ في منتصف شهر أيلول سبتمبر وصفت "حصار" السفارة الاسرائيلية في القاهرة بـ"الاعتداء"، ووصفت مقتل الجنود المصريين في سيناء على يد القوات الاسرائيلية بـ"الحادث". مع أن حصار السفارة الذي استمر لساعات فقط جاء رد فعل على عملية القتل التي أودت بحياة خمسة جنود مصريين!!.
لقد ابتزت اسرائيل الولايات المتحدة ودول العالم منذ انشائها في عام 1948 ولكن الى متى ؟ ووظفت هذا الابتزاز لإخضاع العالم العربي وحتى العالم الاسلامي الذي يزيد عدد سكانه على المليار ونصف المليار انسان. ولكن الى متى أيضاً ؟. تستطيع اسرائيل ان تبتز كل العالم بعض الوقت.. ولكنها لا تستطيع أن تبتز كل ال