خارج الاسر - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
|
هي ليست لحظة ضعف نادرة لدولة اسرائيل، من دون ان تكون لحظة قوة فلسطينية تؤسس لانتصارات جديدة على تلك العصبة اليهودية المبنية على ثقافة الغيتو، والتي شرعت في تنفيذ صفقة تبادل الاسرى بوحي من حرصها التقليدي الشديد على استعادة جنودها من الاسر، احياء او امواتا، لكي تحافظ على دوافعهم للخروج الى الحرب، من دون ان يخشوا الزوال من الوجود. الحرص الاسرائيلي ليس استثناء، لكنه مفرط بسبب ندرة الدم اليهودي. دول كثيرة كافحت بدأب ومثابرة من اجل استرداد اسراها، وعقدت صفقات سياسية او حتى مالية مع آسريهم. لكنها كلها كانت تستكمل طقوس الحرب وما يليها في العادة من مفاوضات وتسويات ومبادلات. وكانت تسعى الى اقفال ملف عسكري او امني او حتى قضائي، اكثر مما كانت تؤكد ان ذلك الملف لن يغلق ابدا، لانه يحتوي على لوائح اسماء لا تنتهي، وهي تقاس بحجم شعب كامل واقع في الاسر. الثمن الذي دفعته اسرائيل مقابل استرداد اسيرها الجندي جلعاد شاليط ليس باهظا، كما يوحي خطابها الراهن والمتداول هذه اللحظات في واشنطن وبقية عواصم الدول الحليفة لها، التي ساهمت على مدى السنوات الخمس الماضية في حملات التعاطف والتضامن مع ذلك المحارب الاسرائيلي الذي وقع في الاسر على خطوط الجبهة. فالاسرى الفلسطينيون الذين سينالون الحرية يمثلون اقل من عشرة في المئة من الباقين في السجون الاسرائيلية، التي يمكن ان تستضيف ما يعادلهم في فترة زمنية قصيرة قد لا تتعدى زمن تنفيذ الصفقة الحالية، اذا اشتغلت المحاكم الاسرائيلية باقصى طاقتها. والقياس ليس عدديا فقط، بل قدرة الجانب الاسرائيلي على تفادي وقوع جنوده في الاسر، وقدرة الجانب الفلسطيني على اسر جندي جديد، لا سيما في ضوء تضاؤل احتمالات الاشتباك المباشر بينهما الى حدود دنيا لم يسبق تسجيلها في تاريخ الصراع، الذي كان حتى في ذروة مظاهر القوة الاسرائيلية يتيح بعض العمليات الامنية، على خطوط الجبهة الحصينة، او خارجها! ضعفت اسرائيل امس، فقط لانها كانت تتعاقد مع جهة فلسطينية غير محددة، تختزل الشعب الفلسطيني كله، من دون ان تختصر تمثيله. كانت صفقة التبادل مع ما يعتقد الاسرائيليون انه شبح ليس له اسم ولا ارض ولا عنوان، اجبر الدولة اليهودية على ان تحتكم الى قوانينه واعرافه وتقاليده... لكنه لم يفرض عليها تغيير سلوكها او طريقة تعاملها مع ذلك الكيان القائم حتى الان بقوة الامر الواقع ليس الا. تجريد اسرائيل من سلاحها كدولة، ولو للحظة عابرة، انجاز فلسطيني لا شك فيه. المؤسف انه لا يمكن ان يوضع في حساب احد من الفلسطينيين، لا المفاوض من حركة حماس في قطاع غزه ولا المراقب من السلطة الفلسطينية في رام الله. قد يكون الوسيط المصري هو اكبر المستثمرين لتلك الصفقة المفاجئة، التي يبدو ان اخطر ما فيها انها تسلط الضوء على الاستحالة الفلسطينية... بانتظار ان يستعيد الفلسطينيون مقاومتهم من الاسر.
|
|
|
|
هي ليست لحظة ضعف نادرة لدولة اسرائيل، من دون ان تكون لحظة قوة فلسطينية تؤسس لانتصارات جديدة على تلك العصبة اليهودية المبنية على ثقافة الغيتو، والتي شرعت في تنفيذ صفقة تبادل الاسرى بوحي من حرصها التقليدي الشديد على استعادة جنودها من الاسر، احياء او امواتا، لكي تحافظ على دوافعهم للخروج الى الحرب، من دون ان يخشوا الزوال من الوجود.
الحرص الاسرائيلي ليس استثناء، لكنه مفرط بسبب ندرة الدم اليهودي. دول كثيرة كافحت بدأب ومثابرة من اجل استرداد اسراها، وعقدت صفقات سياسية او حتى مالية مع آسريهم. لكنها كلها كانت تستكمل طقوس الحرب وما يليها في العادة من مفاوضات وتسويات ومبادلات. وكانت تسعى الى اقفال ملف عسكري او امني او حتى قضائي، اكثر مما كانت تؤكد ان ذلك الملف لن يغلق ابدا، لانه يحتوي على لوائح اسماء لا تنتهي، وهي تقاس بحجم شعب كامل واقع في الاسر.
الثمن الذي دفعته اسرائيل مقابل استرداد اسيرها الجندي جلعاد شاليط ليس باهظا، كما يوحي خطابها الراهن والمتداول هذه اللحظات في واشنطن وبقية عواصم الدول الحليفة لها، التي ساهمت على مدى السنوات الخمس الماضية في حملات التعاطف والتضامن مع ذلك المحارب الاسرائيلي الذي وقع في الاسر على خطوط الجبهة. فالاسرى الفلسطينيون الذين سينالون الحرية يمثلون اقل من عشرة في المئة من الباقين في السجون الاسرائيلية، التي يمكن ان تستضيف ما يعادلهم في فترة زمنية قصيرة قد لا تتعدى زمن تنفيذ الصفقة الحالية، اذا اشتغلت المحاكم الاسرائيلية باقصى طاقتها.
والقياس ليس عدديا فقط، بل قدرة الجانب الاسرائيلي على تفادي وقوع جنوده في الاسر، وقدرة الجانب الفلسطيني على اسر جندي جديد، لا سيما في ضوء تضاؤل احتمالات الاشتباك المباشر بينهما الى حدود دنيا لم يسبق تسجيلها في تاريخ الصراع، الذي كان حتى في ذروة مظاهر القوة الاسرائيلية يتيح بعض العمليات الامنية، على خطوط الجبهة الحصينة، او خارجها!
ضعفت اسرائيل امس، فقط لانها كانت تتعاقد مع جهة فلسطينية غير محددة، تختزل الشعب الفلسطيني كله، من دون ان تختصر تمثيله. كانت صفقة التبادل مع ما يعتقد الاسرائيليون انه شبح ليس له اسم ولا ارض ولا عنوان، اجبر الدولة اليهودية على ان تحتكم الى قوانينه واعرافه وتقاليده... لكنه لم يفرض عليها تغيير سلوكها او طريقة تعاملها مع ذلك الكيان القائم حتى الان بقوة الامر الواقع ليس الا.
تجريد اسرائيل من سلاحها كدولة، ولو للحظة عابرة، انجاز فلسطيني لا شك فيه. المؤسف انه لا يمكن ان يوضع في حساب احد من الفلسطينيين، لا المفاوض من حركة حماس في قطاع غزه ولا المراقب من السلطة الفلسطينية في رام الله. قد يكون الوسيط المصري هو اكبر المستثمرين لتلك الصفقة المفاجئة، التي يبدو ان اخطر ما فيها انها تسلط الضوء على الاستحالة الفلسطينية... بانتظار ان يستعيد الفلسطينيون مقاومتهم من الاسر.