بين الفرصة الأخيرة والحافة الأخيرة - سمير عطالله (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ليس لأن لذلك أي أهمية. لكنني تجنبت الكتابة في الأزمة السورية الكبرى، لأنني ظللت حتى صباح الاحد متأملا في ان النظام والمعارضة لم يعبرا بعد عتبة الدماء، على رغم ما سفك منها، من ادلب الى دير الزور مرورا بدرعا. اي على مدى الحدود مع لبنان والعراق والاردن. ولكن عندما افقنا الاحد على مشاهد حماه، ادركنا ان الصراع انتقل من الفرصة الاخيرة الى الحافة الاخيرة.
لا ادري من نصح بدخول حماه عشية حلول رمضان، محركاً في المشاعر مرارة المدينة التي لم تستطع تفجيرها قبل 30 عاما. لكن اقتحام حماه كان الحلقة غير المتوقعة في سلسلة اخفاقات ادت الى تطور التفجر من مستوى قنبلة مولوتوف محلية الى مستوى مواجهة عامة، كان واضحا ان الامم تتحاشاها وتؤجل وقوعها، بسبب الانعكاسات المحتملة على المنطقة برمتها. فسوريا ليست دولة بقدر ما هي حالة، وليست حدودا بقدر ما هي عابرة للحدود.
بسبب "الحالة السورية" وليس "حالة سورية"، تحفّظ العالم طويلا وتردد العرب. والذين كانوا يتساءلون لماذا لم تندفع اوروبا واميركا، كما اندفعتا في تونس ومصر، لم ينتبهوا الى انه كان من الصعب على العرب والعجم تحمل مفاجآت وتحولات اضافية، الى اليمن والبحرين ومصر وتونس وتململات المغرب والجزائر والاردن والارتجاج الدائم في العراق، ناهيك بسرعة العطب الابدية في لبنان.
غير ان دمشق كابرت في قراءة تفرّق الحلفاء والاقربين من حولها. فقد انصرف ساركوزي بعد اندفاع فرنسي غير مسبوق منذ استقلال سوريا. وابتعد اردوغان بعدما تحول من جار الى "كفيل" دولي. وخرج الشيخ حمد بن خليفة بعدما جعل الدوحة امتداداً لدمشق في استضافة اللبنانيين وخرابهم المرافق ونعيقهم وزعيقهم وشهواتهم.
ردت دمشق على التصرف الدولي، بالقول إنه لم يعد لأوروبا وجود على الخريطة. وواضح ان الاعتماد على صداقة الروس والصين ذو محدودية قد لا تتعدى رد القرارات في مجلس الامن. فالسلاح الامضى اليوم هو الاعلام، وليس لروسيا والصين فيه إلا حصة مستجدة وضئيلة. وذلك الرأي الذي كانت تخاطبه روسيا السوفياتية لم يعد له وجود او تأثير إلا في اماكن نائية مثل كوبا وفنزويلا.
ومع الغاء اوروبا، واتهام اميركا، قطعت سوريا علاقتها الخاصة مع "الجزيرة"، وسحبت مواطنيها من "العربية" وغيرها، وعزلت نفسها في إعلام لم يتبلغ بعد ان الدنيا خرجت من مطبعة الجريدة الرسمية الى "التويتر". ولا اعرف حقا ماذا تعني هذه او كيف تعمل، لكنني اعرف انها تجاوزت ترانزيستور الستينات بزمن كامل، وعالم مختلف، انقرضت لغته في ارجاء الكون بعدما اصبحت بلبلة غير مفهومة.
اعتقد المسؤول العربي، من المحيط الهادر الى الخليج الثائر، ان مواطنه ملقح ضد الحريات والكفاية الاقتصادية ولزوميات العصر. كل واحد منا يحن الى اليوم الذي كان خبزنا كفاف يومنا، والى عصر الهدوء والاذاعة الواحدة، والصحيفة الواحدة، والزعيم الواحد. ولكن ماذا نفعل اذا كان هذا العصر قد طوى نفسه في كل مكان، واذا كان القادم الجديد الى الوجود لا يرى اي تناقض بين الوطن والحرية، وبين القومية ومستوى المعيشة، وبين وحدة الامة والعدالة بين مواطنيها. الى متى ستظل الكرامة مرادفة للجوع؟
كانت الشيوعية اهم حزب في التاريخ، ولكن فاتها الانتباه الى تفصيل صغير جدا، هو ان التاريخ حركة دائمة مثل دواليب الهواء. يتكرّر اسم "السور" في كل عاصمة عربية، من بيروت الى الكويت. كانت الناس تدخل الى ما خلف السور وتطمئن وظل سلطان عُمان يغلق أبواب مسقط حتى العام 1970. في هذا العصر تقفز الموجات والتيارات من خلال الأثير وصحن لاقط على السطح. اقفلت سوريا كل الابواب والنوافذ والحدود لكنها بذلك حولت كل معارض الى مراسل. وهؤلاء لعبوا الدور الاساسي، وليس فقط وجوه المعارضة في الخارج.
تتجاهل الدول حبات المطر المتساقطة في الداخل والخارج الى ان تفاجأ بها سيلا عارما ومدمرا. هناك مليون ونصف مليون لاجئ عراقي في سوريا يفضلون البقاء في البلد المضطرب على العودة الى بلد مرعب. الاكثر رعبا ان عددا كبيرا من المسؤولين العرب يحملون جنسيات اخرى، غالبا اميركية. كيف يمكن ان تطمئن الى بلدك ومصيرك وانت تعرف ان الرجل الذي يحاسبك على مشاعرك وافكارك يحمل باستمرار جواز سفر الطوارئ وساعات التخلي؟ وكيف يمكن ان تتضح امور حياتك امامك، وانت ترى ان الذي يحاسبك على حضور الافلام الاميركية، اشترى لنفسه منزلا قرب هوليوود؟
لم يُعر الحاكم العربي اي اهمية مسألة الثقة، بينه وبين شعبه، الذي يُضحك عليه، عادة، بلقب "الشعب العظيم". ويشبه ذلك التربيت على عنق الحمار كلما زيدت حمولته. وبعدما سمى معمر القذافي انقلابه "الفاتح العظيم" وسمى مزرعته "الجماهيرية العظمى" جعل لنفسه راتبا من 400 دولار. ولكن لم يكن لذلك علاقة بـ"خرجية" انجاله، الذي صرف احدهم، وفقا لوزير خارجيته السابق، اربعة ملايين دولار على سهرة واحدة، ودفع الثاني مليون دولار لنصف ساعة غناء من مغنية تيرسو.
في العقود الماضية كان العرب متساوين في البساطة او الحاجة. ارسل الشيخ جابر العلي الى ام كلثوم يسألها كم تريد لحفلة في الكويت، فكان الرد القاطع "ليس اقل من 750 جنيها مصريا". هذا هو الرقم الذي يطالب به المصريون الآن حدا ادنى للاجور. ففيما لا يزال الفقر والتخلف والجوع تحفر في احداق الامة، يرى الفقراء وهم في الطريق الى البطالة قصورا ثورية لا نهاية لها، وفيما هم يسمعون بكاء اطفالهم، يصغون الى حكاية المليارات والاحتكارات وانعدام الفرص.
هناك اعداد كبيرة من الناس اقتنعت بالطريق الاقصر الى الجنة. لكن الاكثرية لا تزال تصر على حقوقها في الارض ايضا. قال افريقي من المحاربين القدماء لوزير الداخلية الفرنسي شارل باسكوا: "امانة في عنقك. سلم لي على الجنرال ديغول". فردّ الكورسيكي: "اعدك بذلك. ولكن بعد حين".
المشكلة في الاحزاب المتهالكة والاحزاب التي لم نجربها بعد، هي في المجهول الذي صار معلوما. اي الاحزاب التي لها مظهر مدني والاحزاب التي اطلت برؤوسها في ميدان التحرير في القاهرة. ففي العراق حوّل النظام حزب البعث مؤسسة مخابراتية عتية، فيما ظل صدام حسين يترك "العشيرة" ان تصفي حساباته العائلية مع صهريه ووالدي احفاده، في اشراف نجله عدي. ولكن ما ومن هي الاحزاب "الديموقراطية" التي بزغت بديلا في ظل نور المالكي ومقتدى الصدر؟
سوف نحزن معاً، البعثيون ونحن، على تبديد تلك النظريات الحالمة، التي سقطت في تجربتي العراق وسوريا. فقد قبلت دمشق فكرة عدم وجود "حزب قائد" على الارض، وسط مشاهد السقوط والصدام. وما بين طوباويات البعث والانقلابات والصراعات والنزاعات التي محتها، زمن سحيق. كان يفترض في البعث ان يصهر مكونات الامة، ويرفع اقلياتها، ويثري اكثرياتها، ويطمئن اعراقها، ويحمي فقراءها، فكان ان دخلت اجنحته في صراعات دموية، اختصر طبيعتها صديقنا الراحل علي صالح السعدي في برقيته الشهيرة "اسحقوهم حتى العظم"!
كان التكاره بين بعثيي العراق وسوريا مثل التحاقد بين شيوعيي الصين والاتحاد السوفياتي، ومن اجل ان يطوق موسكو لم يجد هنري كيسينجر افضل من سور الصين، ومعونة التشرمان ماو. وقد دفعت الوحدة العربية والحرية والقضية والمواطن اثماناً باهظة لاحتراب البعثيين، اولا ضمن الدولة نفسها، ثم بين الدولتين، ثم في السياسات العربية عبر الحدود، ففي بغداد لم يعد الحل في العراق وانما في الكويت، وفي سوريا لم يعد في رخاء حلب بل في تأديب بيروت، وقد ادى كلاهما الى مرارة شديدة في الداخل، كما ادى الى بروز قوة غير عربية للمرة الاولى منذ قرون، هي القوة الايرانية، التي تدعم الحكم في سوريا وتقبض على الحكم في العراق.
هذا عصر لم يعد شيء فيه ترفاً. لم يعد الكومبيوتر منة من السماء، فيما اغنى شركات التيليكوم هي الآن في الهند التي كانت قبل 50 عاما تعيش على المساعدات. والآن طبقتها الوسطى والبورجوازية اكثر من جميع الامة العربية. لقد اهتم العالم العربي خلال نصف قرن بنقل تجربتين فقط: تشاوشيسكو في رومانيا، وكيم إيل – سونغ في بيونغ يانغ. نقلتا المانيا الشرقية بدل المانيا الغربية. دول وانظمة لم يكن لها سوى انجاز واحد هو القمع والصمت والفقر. والباقي اسطوانات.
حسب تشاوشيسكو حساباً لكي شيء، إلا انه سوف يصير عبئا على الشيوعية نفسها. فككه الكي.جي.بي. بأيدي رئيس وزرائه، وحاكَمَه واعدمه معاونوه. اللغة الوحيدة التي علمهم اياها.
على رغم كل شيء، وعلى رغم مدن الدائرة التي لا تزال دمشق تسميها "عصابات مسلحة"، يجب ان نظل نأمل في حل اصلاحي شامل يعيد الى سوريا لحمتها. مهما كان ذلك صعبا ومهما اصبحت الهوة عميقة. ونأمل ألا يستمر النظام في قيادة سوريا نحو المجهول المخيف اكثر بكثير من هذا المعلوم المرعب، الذي بدأ الظهور في مصر.
لم يكن المطلوب في سوريا مواجهة، بصرف النظر عن العنوان الذي وضع لها. فعندما وعد الرئيس بشار الاسد بالاصلاح لم يكن بالتأكيد يخاطب "العصابات المسلحة"، بل كان قد انتبه الى مدى عمق المطالبة بالتغيير. ولم تكن المسألة يومها في حماه وغليانها التاريخي، بل كانت في درعا ومطالبها البسيطة وكانت في دمشق وفي صمت حلب. فبعض الصمت بليغ ايضا، كان يجب استدراك مرارة الصمت وحرارة الهتاف.
كانت سوريا في حاجة الى اصلاح سريع، واصبحت في حاجة الى مصالحة مسرعة.