بيان رقم 1 إلى القطاع الخاص - ريا الحسن (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لم تكتف حكومة "كلنا للوطن، كلنا للعمل" بانقلاب سياسي لا ينحصر بالانقضاض على المحكمة الدولية ومواجهة المجتمع الدولي فحسب، انما اعلنت بوضوح نيتها في تغيير "النمط الاقتصادي القائم".
نخشى أن يكون من الاهداف الانقلاب ايضا على النظام الاقتصادي الحر الذي كرسه الدستور وعلى النهج الاقتصادي القائم على المبادرة الفردية. فالى القطاع الخاص، نعتبر اخطر ما جاء في البيان الوزاري في شقيه الاقتصادي والمالي، تهديده للاقتصاد لانه لم يفسر ما قُصد به "تصحيح النمط الاقتصادي". لكن يبدو ان صياغة البيان جاءت ملتبسة ولم يتضح المقصود بـ"عملية التصحيح": هل تغيير الاسس ام تصحيح بعض السياسات؟ وما يزيد الغموض، هو ان ما ورد لهذه الجهة يقبل الاجتهادات المتناقضة، ولا سيما ان الحكومة تضم وزراء يتبنون عقائد اقتصادية يصعب الجمع بينها.
فهل تبشرنا الحكومة بالانتقال إلى نظام اقتصادي موّجه؟ وهل ترمي الى تقليص دور القطاع الخاص وتأميم بعض القطاعات؟
اذا كان المقصود بعملية التصحيح، "تصحيح" بعض السياسات المالية والاقتصادية والنقدية، فلم لا يجري تحديد نياتها التصحيحية والمجالات وكيفية التنفيذ؟ وأي رسالة يوجهها البيان الوزاري للمستثمرين؟
لقد أمنت سياسات الفريق الاقتصادي في الحكومات السابقة، الاستقرار المالي والنقدي، وساهمت في تحقيق معدلات نمو مرتفعة كان اهمها في الاعوام الاربعة الماضية. وساهمت تلك السياسات في تثبيت مناعة الاقتصاد في وجه الازمات الداخلية (اغتيال الرئيس رفيق الحريري والاغتيالات بعدها، وحرب تموز 2006، وحرب مخيم نهر البارد، ومحنة 7 أيار، واقفال مجلس النواب) والخارجية (الازمة المالية وتداعياتها على الاقتصاد العالمي). ونجحت في تمكين الاقتصاد من تخطي الازمات الداخلية، ونجحت ليس في تجنيبه انعكاسات الازمة العالمية بل تمكينه من الافادة منها بفضل السياسات المالية والاقتصادية والنقدية الحكيمة والسليمة. فوفق الاحصاءات الرسمية، حقق الاقتصاد نموا مرتفعا بلغ 8% كمعدل وسطي للأعوام الأربعة السابقة رغم عرقلة مقصودة من الفريق السياسي الذي يتولى المسؤولية راهنا. لذلك، من غير المقنع ان تربط الحكومة في بيانها "الانحسار النسبي لتوقعات النمو الاقتصادي في لبنان" بـ"التطورات الاقتصادية العالمية والاوضاع الاقليمية".
فهل التطورات العالمية هي التي أدت إلى تراجع النمو، أم السبب هو الخوف من السياسات الاقتصادية المنوي انتهاجها وغياب عامل الثقة نتيجة ممارسات الفريق السياسي الذي شكل هذه الحكومة؟
من الضروري التأكيد أن الاستقرار السياسي والامني هما من أهم العوامل المحفزة للنمو. والثقة هي ايضا اهم ما تفتقر البلاد اليه في ظل حكومة اللون الواحد. وهذا السبب الحقيقي لـ"انحسار توقعات النمو". ومن المفيد التذكير ان السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية التي اتبعها الفريق السياسي للحكومات الماضية، هي التي عززت الثقة بالاقتصاد وزادت مناعته الداخلية والخارجية.
الم تصب اصلاحات مؤتمري باريس 2 و3 في تعزيز تلك العوامل؟ ألم يعمل الفريق الحاكم اليوم على عرقلة تنفيذها؟ أوليست مشاريع القوانين الـ69 التي رفض مجلس النواب درسها وإقرارها، من العوامل المحفزة للنمو لو أقرت في حينه؟ فما هي اذاً العوامل المحفزة للنمو التي تعدنا بها الحكومة وتبشر بأنها ستنعم على اللبنانيين بها بعد طول انتظار؟
وهل ما ينتظره اللبنانيون هو تطبيق الفكر "التصحيحي" الذي كبّد لبنان (1999- 2000) اضرارا اقتصادية ومالية كبيرة؟ وهل المنتظر تنفيذ ورقة قدمها احد الوزراء خلال مناقشة مشروع موازنة 2010 الى حكومة الحريري، والتي صيغت بالقلم الذي وضع برنامج الاصلاح المالي في 1998؟ ومن اخطر ما تضمنته فرض ضرائب على التحويلات من الخارج وزيادة الضريبة على فوائد الودائع الى معدلات مرتفعة.
التاريخ يعيد نفسه. نواجه الطروحات التي حاول تسويقها الفريق عينه بين 1999- 2000، وبين اقتراحاته غير الواقعية فرض ضريبة على مداخيل المقيمين في الخارج والتي كانت نتائجها كارثية لانها تسببت بتهريب الرساميل والاستثمارات، وتاليا تراجع الايرادات وزيادة الدين من 18 الى اكثر من 23 مليار دولار مع انحسار النمو الى الصفر.
من المهم الاضاءة على مضمون البيان الوزاري من عبارة "ادخال اصلاحات بنيوية في النظام الضريبي"، وهي مبهمة تثير الشكوك لدى القطاع الخاص والمستثمرين. لا شك في ان اي نظام ضريبي يحتاج الى مراجعة مستمرة وتطوير ليخدم الاهداف الاقتصادية مع المحافظة على العدالة الضريبية وفاعليتها. لكن الاشارة الى اصلاحات ضريبية دون تحديد وجهتها واهدافها قد ترسل اشارات سلبية تضر بالاقتصاد.
وتذكيرا، تعمل وزارة المال على درس النظام الضريبي وخصوصا لجهة ضريبة الدخل على الشركات والافراد، وانجزت المسودة ووزعت على الهيئات الاقتصادية لابداء الرأي. ورغم اهمية مراجعة النظام الضريبي، ينبغي لوزارة المال استكمال ما بدأته لتحسين فاعلية الاداء الضريبي وزيادة الالتزام وتحسين الجباية.
لقد اوردت الحكومة أن "المالية العامة السليمة هي مرتكز اساس لنمو متين وسليم". أليس هذا ما جاهدت الحكومات الماضية وجهدت لتحقيقه؟ اذ انخفض الدين العام الى الناتج المحلي من 180 الى 138%، بفضل ادارة سليمة للمالية العامة وتحقيق مستويات نمو مرتفعة، مما أوجد فسحة مالية Fiscal Spaceمكّنت الحكومة من إعداد موازنة طموحة في 2010، تضمنت زيادة ملحوظة في حجم الانفاق الاستثماري وزيادة الإنفاق على الشؤون الإجتماعية. فها الحكومة الحالية تؤكد صواب سياسة التصحيح المالي المنتهجة رغم سيل الانتقادات من غالبية اعضائها.
هذه بعض ملاحظات على البيان الوزاري. لكن الاخطر هو ما لم يتطرق اليه لجهة الالية لإشراك القطاع الخاص للمساهمة في تكبير حجم الاقتصاد؟ وهل ستتمكن من إقرار قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وفيها مَن عمِل على محاربته وعرقل اقراره؟ وما نظرتها الى الخصخصة وتحرير قطاعات مهمة؟ وما الدور الذي ستوليه للمجلس الأعلى الخصخصة وأمانته العامة والهيئات الناظمة؟
`32; وزيرة المال السابقة