حيرة سورية - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
عندما تقول وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون إن الوضع في سوريا مثير للحيرة، فإنها لا تقر بنقص في معلومات واشنطن، انما بفيض هذه المعلومات، التي يقدم النظام ومعارضوه كل يوم دليلاً على دقتها، وعلى انهم يسيرون في طريق أكثر تعرجاً وتعقيداً من الطرق التي يسلكها التونسيون والمصريون او حتى الليبيون واليمنيون، في سعيهم الى تغيير أنظمتهم السياسية.
حيرة اميركا هي دليل لا شك فيه على ارتباك موقفها من الانتفاضة الشعبية السورية، الذي شهد الاسبوع الماضي فقط ثلاث صيغ مختلفة تماماً، وردت تحت بند الإعلان ان الرئيس بشار الاسد فقد شرعيته، وهو إعلان نسبته كلينتون الى وجهة النظر الاميركية قبل ان يعود الرئيس باراك اوباما لتصويبه وإحالته الى الشعب السوري نفسه، وهو ما عادت وزيرة الخارجية الى الالتزام به وتوضيحه باعتباره استنتاجاً مستمداً من ذلك الشعب.. قبل ان تنأى عما يجري في سوريا وتصفه بأنه غير واضح المعالم ولا يمكن لأحد التأثير فيه، لان كثيرين، حسب تعبيرها، كان يحدوهم الامل في ان يقوم الاسد نفسه بالاصلاحات الضرورية، وهو ما لم يحصل، ولأن احداً لا يعلم كيف ستتمكن المعارضة السورية من قيادة تحركها وتحديد مجالات هذا التحرك.
واذا جاز اختصار هذا الموقف الاميركي فإنه يمكن الزعم ان واشنطن تقف الآن على حافة اليأس من النظام، الذي ارتكب ولا يزال يرتكب يومياً من الأخطاء التي لم يكن احد يتصورها، سواء في حملاته الامنية او مسرحياته السياسية، كما انها في المقابل تقف على حافة الامل بالمعارضة التي لا تزال تستمد قوتها ومصداقيتها وجاذبيتها من اخطاء النظام بالتحديد، من دون ان تبرهن حتى الآن على استعدادها لتكون البديل المنشود، سواء في منع الاختراقات الامنية او في ضبط المهازل السياسية.
هذه الحيرة الاميركية تختزل موقف مختلف دول العالم، العربية منها والاجنبية، التي لا تصدق الكثير مما تشاهده من استعراضات القوة المتبادلة بين النظام وبين معارضيه. بعضها مثير للشفقة وبعضها الآخر مثير للسخرية، لكنها كلها تنبئ بان سوريا تسير نحو مأزق امني وسياسي صعب، ليس ناجماً عن موازين قوى متساوية بين طرفي الازمة، بل عن افتقار كل منهما الى التوازن، ويغرق الجميع في دوامة التظاهرات والمذابح والجنازات، ويتبارز الجميع في مؤتمرات في الداخل والخارج لا تسمع فيها كلمة واحدة مفيدة، ولا تخرج منها فكرة واحدة مجدية.. ولا تقدم على خطوة واحدة تزداد إلحاحاً يوماً بعد يوم.
النظام السوري اختار الانتحار بوعي وتصميم، لكن المعارضات السورية اختارت كما يبدو أن تتفرج من بعيد، من دون أدنى حس بالمسؤولية عن شارع يغلي، وكان يترقب أن يأتيه من مؤتمر اسطنبول بخاصة ما يعادل تضحياته وما يوازي إنجازاته وما يترجم على الاقل تجربة حماه النموذجية بسلميتها ومدنيتها الى برنامج عمل وطني، يتجاوز المقولة التاريخية عن أن سوريا بلد يصعب حكمه لأن كل سوري يعتبر نفسه حاكماً!