Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

في سبيل الحرية - عباس بيضون (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

إلى ميشال كيلو وياسين الحاج صالح
لا نستطيع نحن الذين نعرف الأحداث من الصحف أن نذكرهم واحداً واحداً. قد لا نستطيع أن نسميهم حتى. انهم بالنسبة لنا مجرد رقم. ما الذي نفعله لمجرد رقم. نصلي من أجله أم نتوسل أم نتألم. انه رقم فحسب، رقم للقتلى، رقم للجرحى، رقم أو شبهه للمتظاهرين الذين خرجوا من دون أن يخافوا من القتل أو الجرح، كل يوم تقريباً هناك رقم لأخبار المساء أو نصف الليل، هناك دائماً من يقول لنا إن الحصيلة بلغت كذا وكذا، ان هذا اليوم انغلق على كذ وكذا ومن القتلى والجرحى. سنذهب إلى النوم من دون ان يؤنبنا العدد، من دون أن نلوم أنفسنا عليه، من دون أن يؤلمنا. نقول في سرنا هذا اليوم نقص العدد واحداً أو زاد واحداً. لن نعرف حقا ماذا خسرنا، كم قربانا سقط عنا. كم أضحية افتدتنا. نعم افتدتنا نحن وسقطت عنا نحن الذين نجلس مسترخين على أرائكنا نحملق في التلفزيون. كل يوم جديد هو أيضاً دَيْن جديد علينا. كل يوم جديد خسارة أخرى لنا. لن نعرف بالتأكيد كم بلغ الدَّيْن وكم بلغت الخسارة. أياً كان الأمر فهو دَّيْن رمزي وهي خسارة رمزية. الرموز لا تقاس بالعدد، القرابين ليست بأرقامها. لن يطالبنا أحد بدَيْن، لن يداعينا أحد بخسارة. وحدنا سنشعر أن الدَيْن اكثر من أن يقدر عليه شعب صغير، وحدنا نعرف انها خسارة شعب، لكن الشعب والوطن والأمة مفاهيم والمفاهيم لا تبكي. سنتركها وحدها تتألم في العراء، ستتألم هكذا عنا. سنوكل إليها ان تفعل ذلك، ليس تجريداً ذلك الشعب الذي نزل بالعشرات أو الآلاف يتسول الحرية. ليس تجريداً ذلك الوطن الذي في وضح النهار يتسول الكرامة. لن يُعطى بالهيِّن ما ليس سوى لوازم وجوده، لن يُمنح بالسهل ما يعتبره الآخرون من عاديات حياتهم. ما يجدونه مبذولاً وميسوراً كالماء. ما يصلهم من دون طلب ومن دون جهد. ما لا يضحون في سبيله حتى بشعرة. ما لا يتطلب منهم أكثر من أن يوجدوا. نحن في آخر هذا العالم ينازعوننا على حق الحياة، في آخر هذا العالم نحن مضطرون إلى أن ندفع ثمن وجودنا مرات ومرات. في آخر هذا العالم يطالبوننا بثمن الهواء. في آخر هذا العالم نحصل على الفضاء بأغلى الأسعار، ونُقتلع من هذا العالم بلا ثمن.
في آخر هذا العالم لا يزال للحرية سعر، مثاقيل من الدم، قناطير من اللحم الحي. آلاف الأنفاس المذبوحة، أطنان الكلام المحبوس. في آخر هذا العالم حيث الحرية لعبة أقوام، حيث يتخم أناس بحرياتهم حتى السأم، حيث يبحث أناس عما بعد الحرية. ثمة أناس لا يزالون خلفها بمراحل, ثمة أسياد يتصرفون بأجساد الناس ورقابهم. ولا يزال لهم سلطان على حياة العباد وأقدارهم، ثمة دول ليست سوى بساتين للحكام، ثمة أناس ليسوا سوى رعايا إن لم يكونوا عبيداً. أناس لا يزالون قبل الحرية بعدد كبير من الشموس والأفلاك، لا يزالون في مجرة الاستبداد وخلف المغالق الظاهرة والخفية. ثمة بلاد أخرى لا تزال الحرية فيها تحتاج إلى ملحمة، تحتاج إلى رصيد من الشهداء والمنفيين والمعتقلين، تحتاج إلى ابطال وإلى فدائيين، بلاد قصرت قليلاً أو كثيراً عن بلوغ التاريخ، لكنها اليوم تصنعه بكل المشقات التي تتطلبها صناعته. بكل الآلام التي لا بد من مقاساتها. انها معركة ولن تجبن عنها، انها ملحمة وستخوضها، ستسهر على الشعلة وستنقل النار إلى أرض أخرى، ستسهر على الحرية وتجدد ملحمتها. لن تستريح ولن تتوقف حتى تكون استحقتها، في آخر هذا العالم لا يزال للحرية ميدان، لا يزال لها أهلها وفرسانها، لا تزال قدراً وعهداً، في آخر هذا العالم يتجدد المخاض الصعب ويخرج الناس إلى النور، هناك من يجددون الشعلة من يوفون العهد، من يحملون النار، من يصغون للكينونة، من يذعنون للقدر.
هناك أيضاً الذين يُعلقون في سقوف السجن، من تمشي المكواة على أجسادهم، من تتسلخ جلودهم تحت نارها، تنصرم سنينهم وأشهرهم في الانتظار الخانق، يعدون ساعة بساعة ويوماً بيوم، يهدون حياتهم للحرية ساعة بساعة ويوما بيوم. يوفون أقدارهم يوماً بيوم وساعة بساعة، يعيشون احتدام الحياة والموت ساعة بساعة ويوماً بيوم، انه امتحان كل ساعة وكل يوم. انه عهد كل ساعة وكل يوم، انه استشهاد كل ساعة وكل يوم. في آخر هذا العالم حيث الناس والفئران سواء، حيث ظهور الناس ورقابهم مباعة. حيث الأنفاس والتنهدات محسوبة مرصودة. في آخر هذا العالم ثمة من يجعل من حياته شعلة. ثمة من يضيء، ثمة من يحمل الحرية كالقنديل، ثمة من يسير برفقة قدره ويواكبه إلى النهاية، ثمة من يصغي للكينونة وللتاريخ كل دقيقة، ثمة من هم الرسل الجدد للحرية. ثمة من هم مغنوها ومنشدوها ونساكها. من باعوها حياتهم وأنفسهم، من شروها بأرواحهم ودمائهم، من أهدوا لها كل ساعة وكل يوم. من فنوا فيها كل ساعة وكل يوم.
نجلس إلى التلفزيون ولا نستحي بأنفسنا. ذلك يوم انتهى، هؤلاء الذين ينزلون إلى الشارع منا، انهم نحن ولن نستحي بعد حين نحملق في التلفزيون. صار لنا جبين منذ رأيناهم، منذ نزلوا. لقد اشتروا بدمائهم وآلامهم وانتظارهم الخانق حريتنا، لقد اشتروها بأرواحهم وعذاباتهم وها هي الآن راسخة نامية. يمكنهم ان يقتلعوا قلوبنا لكن لن يقتلعوها. يمكنهم أن يسلبونا الحياة لكنهم لن يسلبونا إياها. سنكون في النور ويكونون في الظلمة، سنكون في الشمس ويكونون في الليل، سنكون هذه المرة أحراراً ولن يكونوا، من يسرقون حرية للآخرين ليسوا أحراراً. العبودية سلسلة تربط العبد والسيد. الحرية ستكون من جهتنا. أما هم فسيكونون أسرى لجبروتهم. قوتهم التي لن تخلد ستكون فخاً لهم، قوتهم ستنتهي بأن تقضي عليهم، جبروتهم سينتهي بأن يقتلهم. استبدادهم سيسجنهم. الحرية تغدوا أيضا جبارة وقوية، الحرية تغدو عاصفة ومنذ اللحظة التي نصير فيها أحراراً. لن يستطيع الاستبداد ان يحرمنا من حريتنا، لن تستطيع قوة ما، أي قوة ان تعيدنا عبيداً، الأحرار هم الذين يتصرفون ويعيشون كأحرار. الأحرار هم الذين يعيشون ويموتون كأحرار. من يسرقون حريتهم من الطاغوت والقتلة. من يسرقون حريتهم من فم الموت هم أحرار بل هم كائنات الحرية ونبتها وربما رسلها في هذا العالم. الحرية من جديد قدر وعهد وميثاق. الحرية من جديد شرعة وحق. الحرية المنتزعة من فم الموت. الحرية التي هي امتحان كل يوم. الحرية التي يخاطرون من أجلها في الشوارع. الحرية التي يعودون من أجلها إلى الشوارع، الحرية التي تبقى تحت الجلد المتسلخ وتحت نار المكواة. التي تبقى حتى في الجسد الهامد والدم الذي يملأ الشوارع. الحرية ضد لاهوت الاستبداد وشريعته. الحرية التي يحملونها أيضاً من اجل شرف العالم وإنسانيته. الحرية التي تجدد عهد الإنسان مع الشمس. التي تجدد عهده مع الكينونة ومع الطبيعة، الحرية التي هي معيار شرفه، التي تعيد اختيار الشرف والبطولة، التي تعطي سعراً للحياة وللموت، التي نستحقها كبشر وكآلهة.
في آخر هذا العالم ثمة من يعيدون الامتحان القديم، امتحان النار والصليب. في آخر العالم ثمة من يعيدون اختبار الإنسان. ثمة من يعيدون للإنسان جبينه وأنفته. ثمة من يخرجون العربي من تحت المطرقة، من يعيدون له جبينه وأنفته. وما ان تقال الكلمة. ما ان تسود الكلمة حتى يغرق الطغيان إلى الأبد. انها لحظة فارقة بين تاريخ وتاريخ. لحظة دامية لكنها لحظة الحقيقة أيضاً. بين الدمار والخلق، بين عهد وعهد، انها صناعة الإنسان وصناعة القدر وصناعة الحاضر.

← Back to Selected Articles