لماذا أطلق نصر الله أخيراً موقفه الحازم من الوضع في سوريا؟ -ابراهيم بيرم (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ينطوي الخطاب الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، كعادته دوماً على رسائل "بعيدة المدى" وفي اكثر من اتجاه، ولكن الأكثر استرعاء للانتباه هو الكلام الذي تضمنه هذا الخطاب في جزئه الأخير عن الوضع في سوريا، اذ للمرة الاولى منذ اندلاع الازمة هناك، يكون سيد "حزب الله" حازماً وجازماً في انحيازه الى جانب النظام السوري، ولا سيما عندما قال إن اسقاط هذا النظام هو خدمة جليلة لأميركا واسرائيل. منذ منتصف آذار الماضي، اي عندما اشتعلت الشرارة الاولى في هشيم الوضع السوري، كانت الانظار مصوبة باستمرار نحو الحزب تنتظر سلوكه حيال هذا التطور، انطلاقا من أمرين:
- عمق العلاقة الاستراتيجية بين نظام الرئيس بشار الاسد و"حزب الله" وتوافقهما التام على جملة عناوين استراتيجية وتفصيلية، وخوضهما في السابق معاً حرب تموز عام 2006، الى درجة ان بين المراقبين المقربين على وجه الخصوص من يربط بين الاثنين حتى الاتحاد، مما يوحي للبعض بأن مقولة انهيار النظام السوري، معناها انفتاح الباب امام احكام الطوق على الحزب وبوابة افول دوره ووزنه وتأثيره في المنطقة.
- ان اي سلوك او خطاب او موقف يصدر عن لدن قيادة الحزب، ولا سيما رمزه الاول بالنسبة الى الوضع في سوريا هو في نظر الكثير من المراقبين مؤشر لمسار التطورات في هذا البلد من جهة، ودليل كاشف لخريطة الطريق التي يمكن ان يسلكها على المستوى القريب والبعيد، المحور المعروف الذي ترتبط به سوريا ارتباطاً عضوياً، وتعتبره أكثريته الثانية الاساسية وهو محور ايران – سوريا، قوى المقاومة والممانعة الممتدة بين لبنان وفلسطين بلوغاً لبعض المواقع "الاحتياطية" في العراق وفي دول أخرى.
وبناء على هاتين المسلمتين فإن بعض الذين يعدون أنفسهم خبراء في خطابات السيد نصر الله يخرجون باستنتاج فحواه ان الركن الرابع والأخير من خطابه الحديث، والمتصل بسوريا ينطوي على وقائع موضوعية تتصل برؤية الحزب لمسار الوضع السوري بعدما يزيد على اربعة اشهر على عيش الساحة السورية على صفيح حار، واستطرادا بخط سير محور "الممانعة" حيال هذا الوضع. في أعقاب اربع اطلالات كانت للسيد نصر الله منذ اندلاع الاحداث في الساحة السورية، اتسم خطابه المتعلق بسوريا فيها بالتدرج، فهو اولا كان واثقا من قدرتها على الخروج من محنتها، وثانياً مشيداً بتوجهات الرئيس بشار الاسد الجادة نحو الانفتاح على افق الاصلاح والتطوير، وثالثا دعوة ضمنية الى الشعب السوري للتجاوب مع توجهات الاسد، وحراكه نحو الاصلاح واعطائه فرصة لبلوغ هذه التوجهات نهاياتها القصوى المنشودة، فضلا عن ايراده مداخلة تنطوي على رؤيته وحكمه على "وطنية" اي نظام عربي انطلاقا من ارتباطه بالقضية الفلسطينية، ومدى انخراطه في الصراع العربي – الاسرائيلي.
وفي الخطاب الرابع، بدا الانحياز الى جانب النظام السوري "حازماً" وجازماً لا التباس فيه، وخصوصاً لجهة ادراجه الدعوة الى إسقاط النظام في خانة خدمة التوجهات الاميركية – الاسرائيلية، والسعي الى اسقاط آخر مواقع الاعتراض على الاستسلام للمشيئة الاسرائيلية وتصفية القضية الفلسطينية.
وبالطبع ثمة من يسأل بإلحاح لماذا الآن، بعد كل هذا الوقت يكون الحزب على مثل هذا الحزم في الموقف من الوضع السوري؟
وفق القريبين من "العقل الباطني" للحزب، ثمة أكثر من سبب وداع يجعل رأس الحزب يضع كل ثقله ورصيده في خانة دعم نظام الاسد ووصمه "المتمردين" عليه بأنهم بشكل او آخر اداة من ادوات المشروع الغربي الاسرائيلي ولعل أبرزها:
- ان القيادة السورية اجتازت شوطاً متقدماً في مواجهة الهجمة عليها وتجاوزت مراحل الخطر العسكري السياسي، فهي بعدما نجحت في سحق بؤر التمرد العسكرية في المحافظات والتي بدأت في درعا المتاخمة لحدود الاردن ثم الى تلكلخ المجاورة للحدود اللبنانية، فإلى جسر الشغور القريبة من الحدود التركية، نجحت ايضاً في الحفاظ على مثلثها الذهبي في الداخل، وهو دمشق وحلب والقوى الامنية على اختلافها. فالمدينتان الاساسيتان في سوريا واللتان تحويان ما يزيد على نصف السكان بقيتا هادئتين، فيما بقي عصب النظام (اي القوى الامنية موحداً) ومتماسكاً.
وبعد كل هذه الانجازات على المستوى الميداني كانت هجمات النظام السوري المعاكسة على خصومه، فبعد ابرازه الورقة الفلسطينية من خلال جبهتي الجنوب والجولان، في مناسبتي 15 ايار و5 حزيران، كانت اليد السورية الطولى في ولادة الحكومة اللبنانية في لحظة غير محسوبة لها وقع المفاجأة المدوية، ثم كانت "الرسالة" القوية الى تركيا التي دخلت في لعبة استدراج عروض للغرب ليكون لها دور "الوصي" على سوريا او صفة "الوكيل" الغربي في المنطقة، وذلك من خلال التحرك العسكري على الحدود التركية – السورية لمنع تنفيذ فكرة المنطقة الآمنة في داخل الاراضي السورية، مرفقا بدعوة صريحة للنظام التركي بأن عليه اعادة النظر في مواقفه لأن لدى سوريا تأثيرات وادواراً تعرفها أنقرة.
- في هذا السياق ثمة من يرى ان مؤدى "رسالة" السيد نصر الله الأخيرة، المبثوثة في طيات خطابه الأخير بمحاوره الأربعة انه بعد اليوم ثمة شأن آخر في الموضوع السوري، ولا سيما بعدما "أحكم المحور" الحليف لسوريا قبضته على الوضع السياسي والحكومي في بيروت. وعليه، فإن في كلام نصر الله ابعاداً يدركها الراسخون بخلفيات هذا القائد المدروسة، وقد تعمد ان يبدأها بالحديث عن الحكومة المولودة حديثا في بيروت، ثم رسالة موجهة للمرة الاولى الى السفارة الاميركية في عوكر، وبعدها الى الداخل الاسرائيلي ليكون "مسك الختام" بالموقف الحازم حيال الوضع في سوريا.