السبب، لا النتيجة - سمير عطالله (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
يسعى البطريرك الراعي، منذ مجيئه، الى استعادة السياسيين الذين هجروا بكركي في دروب وغايات شتى. ويتزامن هذا العرض لأحوال السياسيين، وتدهورهم الدرامي، مع زمن تتصدّع فيه قوى المنطقة وتتخاوف فيه الطوائف الكبرى، ويبدو لبنان على بعد مئة قرن، لا مئة عام، من يوم قدّر له ان يكون دولة يعيش فيها المسيحيون، لا مجرد "جبل" يلوذ الهاربون الى صخوره ووديانه وعزلة الجرود.
دولة لا متصرفية. مواطنون يستظلون مرتبة الاستقلال، وليسوا مرتعدين يسمى عليهم متصرف، يتركهم للجوع والانكشارية. في هذه الدولة، القائمة في عالم عربي اكثره لم يعرف الاستقلال بعد، اثبت المسيحيون استحقاق ما اخذوا: حافظوا على لغتهم، وحفظوا ارضهم، واندفعوا ينصهرون في اهم علامات العصر: العلم. وبدل ان يكونوا غرباء على الشرق صاروا نخبة فيه،
السبب، لا النتيجة
الاديرة تطبع كتب الفقه، وفي جامعاته تتأهل اجيال المنطقة، ومنها يخرج دعاة الفكر القومي ومفكرو الاصلاح وطلبة التنور.
اتخذت الدولة الجديدة، المرفوضة من بعض الداخل، والمشكوك في صفوها من دول الجوار، اتخذت شرعيتها من القدرة المستقبلية، لا من الماضي. من التقدم بالارث، لا من التجمد به. وعوضت عقدة الحجم بمدى الافق، وعقدة العدد بسعة التعدد.
لا مفر من المقارنة بين ما كانت عليه مرحلة التأسيس من وهج وألق، وهذا الأفول المحزن والسريع. وبين ما كان عليه المؤسسون وحال التهافت والبعثرة والعدمية التي يندثر فيها مسيحيو اليوم، ارضاً وقيماً ومواقع ومراتب. فالفكرة من اقامة لبنان كانت تهدف الى جعل المسيحيين اوائل بين متساوين. لكن الصورة التذكارية في بكركي توضح مدى التغير والتقلص عبر السنين. فقد هجر المسيحيون بعضهم البعض وأبعدوا أخيارهم وازدروا كبارهم، وحولوا الاداء السياسي، الراقي ذات يوم، الى تضارب وتشتت. لقد بدا المنظر مفزعا: قوم لا يتبادلون حتى السلام، الا في لقاءات بكركي ولياقاتها.
بديهي ان بعض السياسة خصومة وتسابق، ولكن في سياسات المسيحيين موت وطوفان من الدم. وكلما ذهب الناخب المسيحي الى الاقتراع، بحث عن بطل وسيرة عنفية. ولا امكان لأن يفيق الى ان ابطاله لم يستقووا الا عليه ولم يهجروا الا هو ولم ينسوا الا الردم الذي تركوه بلا علامات، خوف ان تذكرهم به أم أو أرملة.
حان الوقت، بعد كل تلك التلال من الضحايا والخسائر والحزن، لأن توكل مسألة المسيحيين، الى القوى المدنية القادرة على وقف الانهيار المتزايد الذي تسببت به السياسة مدى نصف قرن. وهذه القوى المدنية يستحيل ان تحملها العامة الى مواقع سياسية فاعلة. ويستحيل ان توكل اليها مسؤوليات الاستمرار والبقاء والوجود، مفضلة، كما تثبت كل تجربة مضت، رائحة الركام والرماد وثقافة البراكين.
لذلك يجب على النخب، وخصوصا ذوي النيات الحسنة والنفوس الطيبة، ان تبحث عن البديل من العقم الماضي، في اوساط الشبان من اهل الفكر والعمل والانتاج. وهؤلاء كثيرون لكننا لم نحاول التعرف اليهم. فنحن لا نعرف، بحكم طبيعة العصر التلفزيوني، الا اللعي واللغو والغلو. مع الاعتذار الى اهل الحكمة والخلق والرؤية، الذين يسمح التلفزيون احيانا بظهورهم. ليس كل شيء حالكا. لكن العتمة واسعة.
طرحت في بكركي قضايا عاجلة وملحة ووجودية، ولكن في وقت متأخر: الهجرة والبطالة وبيع الاراضي. والحقيقة ان الموضوع هو عدد من بقي وحجم العمالة ومساحة الارض التي لم تبع بعد. وعلى رغم آلام هذه القضايا وآثارها واحزانها، فقد بدت في غير وقتها، في هذا الزمن العربي المدوّي. فالوجود والمصير، قضيتان ابعد بكثير من ان تسلّما الى السياسة. اذا تركنا الامر للسياسة، ونحن على هذا المنقلب التاريخي، سوف تتخذ القضية ضآلات ومضحكات وأسى عميما. كرسي من هنا وحقيبة من هنا (ايضا).
ربما كان الانسب لبكركي ان تترك السياسة في غيبوبتها، وان تبحث هي، في صفوف المسيحيين، عمن يساعدهم على اتقاء الاعاصير. دعوا السياسة في الطاحون. والسطحيات على سطوحها. امس زمن آخر. لبنان في حاجة الى من يدله على دروب اليوم وطرق المستقبل.
يجب ان نتبلغ أن ثمة زمنا قد انتهى. هذا الإشعار لا يلغيه التهرب من ساعي البريد. يريد الانسان العربي الآن ان يبدأ المرحلة المتأخرة الى انسانيته. لم يعد يرتضي ان يتسول حريته، تحت اي شعار، ولم يعد يرضى الفارق بين الحذاء الاستعماري والجزمة الوطنية.
هذه كلها قضايا طرحها المسيحيون المؤسسون، يوم كان الفكر شرطا من شروط السياسة، وليس عبئا عليها كما هو الآن. قبل قرن ونصف قرن كان نجيب العازوري يطرح من باريس خطر الحركة الصهيونية. وفي زمنه طرح جبران الثورة على الاقطاع والاستعمار، ونادى ميخائيل نعيمة، من فلسطين ثم من اوكرانيا ثم من نيويورك، بالعدالة الاجتماعية وحقوق البسطاء.
لقد انتقل الدور المسيحي من العطاء الى الطلب. ومن فعل البناء الى عدمية التعطيل. ومن الخطاب الفكري والطليعي الى اللعي. لذلك، بعد يوم واحد من لقاء السياسيين، قال البطريرك كأنما مستدركا، ان قيمة لبنان، هي في الثقافة والتحضر. الاولى بمعناها التنويري والقيمي، والتحضر بمعناه الانساني. فما تريد ان تقوله لنا ثورات العرب، انها تبحث عن مكان للانسان، بكل حقوقه الطبيعية وكل تطلعاته الى لياقة العيش بين الامم. لم يعد يطيق هذه العادة الرديئة القديمة، وهي انه لم يجد كرامته الا في بلاد الآخرين، ولا حرياته الا عند سابق المستعمرين.
كان مسيحيو لبنان دائما اكبر من تعدادهم، او مما اقتطع لهم من ارض. عوضوا محدودية العدد بلا محدودية الدور. هذا، وليس الاراضي، ما كان مفقودا في تجمع بكركي. لطالما كان لهم فسح في المكان، وها هم، في زمن شديد الصعوبة، يتفقدون الامكنة التي جيّروها. فالبقع الصغيرة والحارات والاوقاف ليست مكانا ولا دورا ولا مرتبة. المصير اهم من تركه للسياسة. لعله كان الانسب دعوة اهل الفكر والحكمة والمال والعمار للمساعدة في درس الحلول. فهؤلاء لا ارتباط لهم سوى بمسألة البقاء، وليست لهم عقود آجلة او ارتباطات ملزمة. وهؤلاء يرسمون لنا، من خبرتهم، كيف يرتقي المسيحيون الى ما فوق الطائفية. وكيف يثبتون روابطهم الدائمة، لا الانفعالية او الصوتية، بالدولة المدنية، التي اختصرها افلاطون بالقول ان المدينة تكون على شاكلة اهلها.
كنا نتمنى طبعا، او نضرع، ان يكون هناك حد ادنى من الثقة بالسياسة. لكننا غرقنا في ما قاله اليكسي دوتوكفيل ان الديموقراطية هي طغيان الاكثرية. والتجربة المسيحية في ذلك مرة وجافة. فقد وقف المسيحي العادي، مثل سواه من العامة، ضد الذين دعوه الى الحريات والقانون والعدالة الاجتماعية وازالة الاقطاع بصيغتيه، القديمة المتخلفة، والجديدة الفاضحة.
الذين اقاموا المرتبة المسيحية في الشرق لم يكونوا من لاعبي السياسة، الا شواذ القاعدة. وضع المسيحية في لبنان مثل اوضاع المسيحيين. المدينة على شاكلة اهل المدينة، قال افلاطون. بدل ان تعرض على لقاء بكركي الدراسات عن ارقام الهجرة والبطالة وبيع الاراضي، كان الاحرى وضع دراسة عن اسباب الهجرة والبطالة وبيع الاراضي. وعن اصحاب المسؤولية. شرط ان تحذف منها الاراضي التي باعها الاهل للمدارس بدل اقساط، وقرطاسية، واحيانا أكل.