مجلس النواب، هل يطمح إلى أن يُصبح وحده الدولة؟ - سليم العازار (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
على زمن الملكية في فرنسا، كان الملك لويس الرابع عشر يزأر قائلا: الدولة هي انا!
(L’Etat c’est moi).
لكن الثورة الفرنسية بعد اندلاعها، اقرت مبدأ انقسام السلطة الى ثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وانفصالها بعضها عن البعض مع وجوب تعاون كل واحدة مع الاخرى ورقابتها لها والحد من امكان طغيان بعضها على بعض )Le pouvoir arrête le pouvoir)، متأثرة في ذلك بما كتبه ونشره مونتسكيو قبل نحو خمسين سنة من غير ان يجرؤ آنذاك على توقيعه خوفا من ملاحقته في عهد الملكية المطلقة وزجه في السجن.
اما القول بأن مجلس النواب، المنوطة به السلطة التشريعية بوصفه ممثل الشعب سيد نفسه، فلم يعد دقيقا كليا ولا مطلقا بعد انشاء المجلس الدستوري واعطائه سلطة ابطال القوانين التي يشترعها النواب، اذا كانت مخالفة للدستور وطعن فيها بعض المرجعيات او عشرة نواب، ضمن مهلة معينة، كما في لبنان، حتى لو صوتوا قبلا موافقين عليها في مجلس النواب.
وتطبيقا لهذه المبادئ الواضحة المبينة اعلاه، اقول ان هنالك مسألتين متمايزتين معروضتين حاليا على مجلس النواب، يجب عليه البحث فيهما على حدة واتخاذ الموقف المناسب في شأن كل منهما:
المسألة الاولى هي معرفة ما اذا كان من حق مجلس النواب ان يجتمع ويشرع في الامور الضرورية العاجلة التي خصه اياها الدستور اصلا، وان كان ذلك في غياب الحكومة، نظرا الى الظروف الاستثنائية الحالية، الملحة والضاغطة على كل طبقات المجتمع والتي تبيح عندئذ المحظورات.
فالجواب هو نعم، وبكل تأكيد، ولا يحول امكان ان تمتنع الحكومة المغيبة او المستقيلة دون تنفيذ القانون الذي صار اشتراعه، ذلك لان الظروف الاستثنائية نفسها الضاغطة تلزم الحكومة ايضا، ايا كانت حالها، القيام بالتنفيذ.
اما مسألة ما اذا كان من حق مجلس النواب اشتراع قانون بتعيين حاكم مصرف لبنان او التمديد للحاكم الحالي، فاني ارى وجوب ان يمتنع مجلس النواب عن القيام به للسببين الآتيين:
1 – ليس هنا من ظروف استثنائية ضاغطة على مجلس النواب، بل ان تلك الظروف تضغط على الحكومة التي عليها ان تقوم بهذا العمل الذي هو من اختصاصها وحدها، وذلك من طريق عقد جلسة لمجلس الوزراء استثنائيا او من طريق اللجوء الى المراسيم الجوالة، وهو ما سبق للحكومات ان اعتمدته طوال ايام الحرب دون اي اعتراض، علما ان حكومة تصريف الاعمال الحالية لم تبد اية ممانعة للقيام بمثل هذا العمل.
2 – والاهم من كل ذلك، ان اقدام مجلس النواب على اصدار قانون بتعيين حاكم لمصرف لبنان او بالتمديد للحاكم الحالي، هو سابقة خطرة جدا، اذ هو تعد على سلطة دستورية اخرى وخروج عن مبدأ انفصال السلطات، ومخالفة، ليس فقط للدستور، بل للأسس الدستورية العامة التي ترتكز عليها كل الدساتير في العالم الديموقراطي، فاذا ما اضيف هذا الخرق الى خرق آخر خطير وسابق، حصل على السلطة القضائية من نحو عشرين سنة، اذ اصدر مجلس النواب آنذاك قانونا قضى بموجبه بنفي العماد عون الى فرنسا لمدة خمس سنوات ومنعه من تعاطي السياسة، فان ذلك يعطي مجلس النواب الحق في التشريع والتنفيذ والقضاء، اي لما كان عليه لويس الرابع عشر.
(عضو المجلس الدستوري سابقا)