عبقرية التوقي - سمير عطالله (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
عرض البيت الابيض صوراً لرئيسه، باراك أوباما، يتابع، مع فريق من ادارته، مراحل قتل اسامة بن لادن. فلنتأمل المشهد على طريقة "جد الخطأ": أولاً، القوات الاميركية تقوم بعملية حربية في بلد اجنبي، من دون إذن مسبق من حكومته. ثانيا، تنفذ عملية قتل دون محاكمة، وتعرض مدنيين آخرين للموت. وثالثا، يقال للعالم إن ما شاهده أوباما وفريقه من اللقطات وعانوه من حبس الانفاس، لا ينصح بعرضه على الآخرين.
في مكان آخر تلاحق قاذفات حلف شمال الاطلسي معمر القذافي في انحاء باب العزيزية الذي اعدت فيه الملاجىء، مثل قصور صدام، لمواجهة ساعة التخلي: تخلي الامم عن عقود النفط، والارصدة التي اغرق بها البنوك والمشاريع، المقسَّمة ما بين الشركات وما بين ابنائه. كل في حقل اختصاصه وهواياته. فقد رأى القذافي من قبل، كيف قصفت "البي فيفتي تو" منزله، باعتباره خارجاً على القانون وبصفتها ممثلة له، واستعد للحالات الطارئة.
سمَّى رونالد ريغان القذافي "مجنون ليبيا" وهو يصدر الأمر الى تلك الطائرات. وفي كتاب عن ذكرياته، استخدم انور السادات التعبير نفسه. فقد اقضَّ جاره النزق واللجوج، مضجعه. وعقد تحالفاته مع خصومه السوفيات، ومع "كارلوس". و"أبو نضال". وحرضَّ عليه السودان. وأرغم ذات يوم طائرة مدنية على الهبوط في طرابلس، وبكل دم بارد اخرج منها راكبين وسلمهما الى حليفه جعفر نميري، الذي بكل دم فارغ اعدمهما، ثم عاد فحاول التآمر على الضابط السوداني نفسه. توترات المزاج واستسهال التقلب.
عندما نفكر في الاعراف البشرية نرى ان اسامة بن لادن ومعمر القذافي خالفا كل قانون انساني. واساء الاول الى معاني الرحمة في الاسلام، فيما دمَّر الثاني دولة القانون واستباح ارزاق الشعب واختطف حريته وقهقه للجرائم التي ارتكبها. ولكن هل يخوَّل ذلك "أهل القانون" قتل الاول برصاصة في الرأس، ومطاردة الثاني في مخابىء طرابلس؟
في الحالة الاولى، ليست هناك مذكرة جلب دولية. وفي الحالة الثانية افتى قرار مجلس الأمن بحماية المدنيين الليبيين لكنه لم يقض بقتل المواطن الليبي الذي يشبَّه نفسه يوماً بالملكة اليزابيت، ويوماً بامبراطور اليابان، أي انه رمز بلا صلاحيات، لا يدمر بلده، ولا يوزع ثرواتها وجيشها على ابنائه، ولا يأمر بمطاردة مواطنيه كالجرذان وابادتهم كالجراثيم. ما أصعب الخيار عندما يكون المرتكب مداناً سلفاً من خلال أفعاله، وعندما يتجاوز القانون الدولي حتى صوريته التبريرية. لكن هذا هو زمننا. دخل صدام حسين الكويت بموجب صك مزوَّر، فج، فظ، واعتباطي، ودخل جورج بوش (الأبن) العراق، بمقتضى حجة قانونية زائفة بحرفية رديئة.
نعيش في عصر يسيء فيه المرتكب استخدام القوة، ويتجاوز الشرطي قانون المطاردة. وفي حالات كثيرة لم تستطع الامم المتحدة ضبط حركة العمل بالقانون الدولي، فتحولت مجرد مختار يعطي افادة ممهورة، او مؤسسة ترفض افاداتها تلقائياً. فقد دخلت تركيا بولنت اجاويد قبرص عام 1974 وقسمتها جزءين، ولم تفعل المنظمة حتى الآن أكثر من حراسة المعابر.
في ساحل العاج لم ينتظر القانون الدولي حتى شكليات مجلس الامن. فقد اعلن بان كي – مون منفردا انه "اصدر الاوامر باتخاذ الاجراءات الضرورية لمنع استخدام الاسلحة الثقيلة ضد المدنيين"، وتفسير ذلك منح الفرنسيين الغطاء القانوني لوقف المذابح التي تسبب بها لوران غباغبو، الذي، مثل القذافي، فقد الشرعية الوطنية ثم الشرعية الدولية، وأصَّر على الانتحار المجنون ومعه بلده. قبل ذلك لقبَّ "الفران" لانه يعجن خصومه ويخبزهم!
من يردع فرداً مثل القذافي عن المغامرة ببلده طوال 43 عاماً؟ بأي طريقة كان يمكن وقف مجازر سلوبودان ميلوسيفيتش وهو يفتت يوغوسلافيا ويعيدها الى مكاره ومحاقد وثارات ما قبل الوحدة؟ كيف كان يمكن رد فرق الجنجاويد عن مساكين دارفور والعُزَّل فيها؟ أين تبدأ روح القانون الدولي الحقيقية واين تنتهي مساحيقه التجميلية؟ من يقنع روبرت موغابي بأنه لم يبق شيء يحكم عليه في زيمبابوي، حيث تجلى الجانب الالهي فيه باشكال شتى، بينها انه ربح الجائزة الكبرى في اليانصيب الوطني. سبعة أو ثمانية أرقام متطابقة، وفوقها "نجمة الجوكر". طوبى لك يا صاحب الفخامة. حتى امال الفقراء تجيَّر لك.
قتل 800 الف شخص في رواندا بالسواطير (ارقام بيل كلينتون يومذاك) وبقي "المجتمع الدولي" ساكناً ساكتاً، وبليداً. وسألت الامين العام الدكتور بطرس غالي كيف يمكن ان تقوم مثل هذه المذبحة البشرية، فاجاب بشيء ما. شيء لا يبرر تبادل مثل هذه الابادة بين قبيلتين الفارق الوحيد بين أهلهما هو طول القامة. لا العرق، ولا الدين، ولا الارض، ديموستينوس كان يقسم على قول الحقيقة "بالارض والانهار والجداول". في رواندا لم يصبح فقط "اديم الارض من هذه الاجساد" كما قال المعري، بل أنهارها وجداولها أيضاً.
بعدما عايش يسوع ابن مريم اهل هذه الارض 33 عاماً، رفع يديه قائلا "أن مملكتي ليست من هذا العالم". ماذا توقع من هذا العالم؟ ليس الكثير. ان تحب قريبك. الا تنزلق الى عماء الغضب. ان تخفف عنك قليلاً من ثقل ذاتك. تقول الاية "ان الله لا يحب كل مختال فخور". هل لاحظتم مرة كيف يمشي الأخ العقيد؟ هل رأيتم احمال الذهب عليه يوم توَّج "ملك ملوك افريقيا"؟ قبله كان جان بيديل بوكاسا قد اعلن نفسه امبراطوراً مثل نابوليون، وجلس على عرش، واتكأ على صولجان. يريد ان يمحو من الذاكرة ايام كان شاويشاً في الجيش الفرنسي. وعندما اراد زميله في الفرقة الاسكوتلندية محو الذكرى نفسها، اعلن عيدي امين نفسه ملكا على اسكوتلندا.
يمَّر الهانئون في الارض وُدعاء، وبلا صخب. مضى فؤاد رفقة همسا. ترك للذين مثله، يهجرون الى عالم الكتب ويعيشون في كوكب الرضا مجموعة قصائد خافتة، وترجمات من غوته وهولدرن، ومن راينر ماريا ريلكه، الذي طفق في المدن يستكتم نساءها ويستنطق حجارتها، المنحوتة بفظاظة الغزو أو ذل الاحتلال، مرة جلادة ومرة ينتقم منها قانون معاقبة الغرور والتكبر. ينقل الجميع خطأ ذلك القول الطيب "لو دامت لغيرك لما اتصلت ا ليك". يكتبها البعض "لما وصلت اليك" والبعض الآخر "لما آلت اليك". والحقيقة انها جملة محفورة على بوابة قصر السيف في الكويت، الذي كان قصر الامير على البحر، قبل ان تتمدد الدولة دوائر دوائر في قلب البر.
ماذا كان حدث لو اكتفى معمر منيار القذافي بربع قرن من حكم ليبيا ونفطها؟ وماذا كان حدث لو أن سوزان ثابت مبارك لم تصر على ان تكون مصر لها ولزوجها ولأبنهما من بعده؟ كيف يخطر لسيدة طبيعة، ان تقرر عن 85 مليون مصري، ثلاثين عاماً مضت وثلاثين لم تمض. وكيف لم يخطر لحسني مبارك ان يصغي الى مصر، بدل ان يصغي الى سوزان ثابت؟
لم يخيل اليه لحظة ان القانون سوف يصل الى داره، وأن قاضياً مشرفاً على التقاعد، سوف يأمر بسجنه ثم يأمر بسوق سوزان ثابت الى سجن القناطر، حيث جميع انواع السجينات. أي موقف هو هذا الموقف: عائلة رئيس مصر برمتها في الحبس. وحكومته. ومعاونوه. والجميع بتهمة واحدة، متفاوتة الارقام والاحجام: استغلال المواقع من أجل سرقة مال الناس. التحكم في المصاري وفي المصائر.
عندما ذهبت الى صقلية اكتشفت انهم تخلوا عن الكثير من العصر العربي الا ثلاثاً: الرقاصة (بمعنى المعشوقة)، والراس، بمعنى الرئيس، والفلوس بمعنى "كلَّو في حبك يهون" كما تغني ام كلثوم. واما قولنا نحن، "المصاري"، فيعود الى ايام ابرهيم باشا، يوم كانت العملة مصرية، والحاكم تركيا، والشريك المضارب مصرياً، من أصل الباني.
لم يتمتع بلد مثل بلدنا بتعدد وتنوع الشركاء في الحكم. انوش ولد قينان، وقينان ولد مهللئيل، ومهللئيل ولد يارد. ويارد ولد اخنوخ. وتركيا ولدت فرنسا. وفرنسا ولدت بريطانيا. وبريطانيا ولدت اميركا. وفي ايامها فتحت ابواب الشركة. والشيء الوحيد العصي على الولادة حكومة تذكَّر العالم بأننا لا نزال على جدول الدول، حتى لو شاركنا العماروَّن في مدرَّج المطار الدولي. وتذكَّر الاهالي بأننا لا نزال في جدول الاوطان، مهما نزعت منه ملامح الوطن ومكونات الانتماء وفرائضه.
اذ تمارس أميركا وأوروبا شرعة التدخل العسكري والوصاية السياسية في ليبيا واليمن، لتذكر ان ما من بلد في الارض، عرف ايضاً مثل هذا التنوع كما عرفناه. ولا تفرد أحد مثله بأن تكون له قوات ردع عربية في الداخل وقوات ردع دولية على الحدود. وما بين هذه وتلك، وسطاء مكلفون ووسطاء متطوعون، مثل عزيزنا مصطفى اسماعيل، مستشار رئيس السودان، الذي ترك دارفور وجاء يتحنن علينا ببضعة ارشادات اخوية في التوافق والتراضي. ولكن في غيابه انفصل الجنوب عن الشمال، ودارت معارك النفط في أبيي، واعلن المشير البشير انه لن يرشح نفسه لولاية اخرى بعد ربع قرن. لماذا؟ لأن القناعة كنز لا يفنى.
لاحظ المشير ما حدث في تونس ومصر واليمن وليبيا، حيث نسي الرؤساء شيئاً مزعجاً يدعى الانتخابات، فقرر استباق السقوط. كانت جداتنا يقلن كلما طلع حفيد خارج البيت: "توقى. لا تقوم توقع". لا نعرف ماذا كانت تقول جدات الرؤساء.