Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

عن "الخوف من الإسلام" - طارق متري (المستقبل)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

يُقال أحياناً أن مصطلح "الخوف من الإسلام" في عالم الغرب المتنوع أو "رهاب الإسلام"، كما تقترح ترجمة أخرى للـIslamophobia، والذي لم يكن مستخدماً إلا نادراً قبل 2001، عبارة جديدة تتحدث عن ظاهرة قديمة. لعلنا بالأحرى أمام ظاهرة جديدة على غير صعيد.
ـ I ـ
لا يعني هذا القول، بطبيعة الحال، تجاهل الجذور التاريخية لأنوع العداء للإسلام والمسلمين المعروفة، منذ غزوات الفرنجة، أو الحملات الصليبية، الى إخراج المسلمين في إسبانيا، فالتوغل العثماني الى قلب أوروبا، وصولاً الى مرحلتي الاستعمار المباشر والسيطرة الغربية المتعددة الأنماط والمتفاوتة التأثير. بل إن القول بجدة الظاهرة يحاذر المبالغة في اعتبار الذاكرة التاريخية محركها الأول. لكن الواقعين في حبائل الغلو ليسوا قلة. وهم يجنحون الى مقاربة جوهرية وثقافوية، كالتي تتحدث عن "جذور غيظ الإسلام"، حسب عنوان مقالة شهيرة لبرنارد لويس نُشرت أولاً في (Atlantic Montly) عام 1990. وتسهم نظرتهم هذه في تعميق الحذر من المسلمين وتسويغ الخوف منهم بحجة رد سلوكهم الحالي، الفعلي أو المزعوم، الى كراهية إسلامية للغرب قديمة. وتفسر هذه النظرة العداوات بالثنائيات في فهم العالم وتستدعي ثنائيات نظيرة لها، فالمسلمون الذين يقعون في المنزلق المقابل والمماثل ليسوا بدورهم قلة. ويرى الطرفان المغاليان والثنائيان الكثير من الأحداث والأوضاع بصورة الصراع بين الخير والشر، بين النور والظلمة، والسلام والحرب، والمادية والروحانية، والعقل والقلب.
لا يذكر أحد تأثير ذاكرتنا التاريخية على مشاعرنا ومواقفنا، لا سيما إذا كنا من الذين يسحبون "المستقبل من الذكرى" كما يقول المستعرب جاك بيرك. غير أنها لا تستطيع بقوتها وحدها أن تنتج كراهية أو سياسة كراهية. ويصح ذلك أكثر في مجتمعات لا يشغلها الماضي عن المستقبل ولا تطغى فيها أسئلة الهوية على التبصر في الاتجاهات والاحتمالات الجديدة والمتسارعة. ويظهر لنا في بلدان كثيرة تتسم بالتنوع الديني والثقافي، في جنوب العالم وخصوصاً في شماله، أن ما يسمى أحقاداً موروثة لا يتسبب بالحروب والنزاعات والتوترات. على العكس من ذلك، تؤدي الحروب والنزاعات والتوترات، على اختلاف أسبابها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، الى اختراع العداوات المدعوة موروثة. ولا تفوت أي دارس جاد الملاحظة أن ما يقوله المتطرفون والمهووسون عن الإسلام والمسلمين لم يتذكروه مما تعلموه من آبائهم وأجدادهم أو تلقنوه في مدارسهم بل هو بمثابة لغة جديدة مركبة تكشف عن أزمات الحاضر أكثر مما تستعيد الماضي. وهي، حين تستعين بالتاريخ، تتدبر أمرها معه من دون اهتمام كبير بسعة معرفته ودقتها.
وبالإضافة الى كل ذلك، فإن التعامل مع ظاهرة "الخوف من الإسلام" بوصفها مجموعة ظواهر متقاربة وجديدة، ذات مكونات نابعة من المصالح والرؤى السياسية ومن تطور الأوضاع الاجتماعية، يفتح الباب أمام مناقشتها والعمل على رسم سياسات تسهم في وضع حد لها. أما النظرة اليها لا كحالات محلية أو وطنية متشابهة بل كظاهرة كونية، تضرب جذورها عميقاً في التاريخ فتكون صراعات الحاضر مجرد استئناف لحروب الماضي، فلا تتيح البحث في المعالجات. وتكاد تتجاهل أن الرهاب كسائر الأمراض قابل للمعالجة والشفاء في بعض الحالات. كما تجعل تلك النظرة التصدي لحملات العداء للإسلام والمسلمين، في الولايات المتحدة وبلدان أوروبا الغربية، مهمة تصل صعوبتها الى حدود الاستحالة. ولا أكتفي ها هنا بصعوبة ذلك التصدي لظواهر العداء من قبل فئة من العرب ولدى المسلمين والغربيين الذين يقلقهم الخوف من الإسلام ومحاربي التمييز ضد المنتمين إليه. لكني أشير أيضاً الى الذين يجعلون منها قدراً محتوماً، ليبرروا عدم اعتراضهم عليها فينسبون الى غيظ الإسلام، لا الى غيظهم هم، استحالة وضع الشكاوى في نصابها بسبب من ميل راسخ الى جعل كل خلاف مشكلة وكل مشكلة عصية على الحل.
ـ II ـ
لا يخفي دارسو مسألة الخوف من الإسلام الرصينون تفضيلهم تناولها في سياقها الزمني والمحلي مما يحول، في معظم الأحيان، دون اقتراح تحديد لها صالح لكل البلدان والظروف. ويستخدم مصطلح "رهاب الإسلام" للدلالة على معانٍ متعددة. غير أن بعضها يتكرر أكثر من سواه، مثل اعتبار المسلمين كلاً متجانساً يتسم بالمغايرة الشاملة مع الغرب، في الدين والسياسة والعلاقة بينهما، وفي القيم الأخلاقية الفردية والاجتماعية، وبالنزوع الى العنف بكل أشكاله، بما فيها الإرهاب، وتسويغه. على هذا النحو، يبدو الخوف من الإسلام خوفاً من المغايرة وخوفاً من العنف. ويظهر في بعض الحالات الأوروبية بصورة الخوف مما يحسبونه محاولات مدبّرة وحثيثة لأسلمة القارة. وينفي الكثيرون، بشفاههم على الأقل، أن يكونوا من كارهي الإسلام ويميزون بين العداء لهذا الدين ورفضهم انتشار أنماط عيش غريبة عن مجتمعاتهم. إلا أن هذا التمييز، اذا أقيم حقاً، ليس جدياً بل هو في حقيقة الأمر متعذر. ففي أغلب الحالات تجمع الممارسات التي يحركها "الخوف من الإسلام" بين العنصرية ضد المسلمين والنفور القوي من الدين الإسلامي، أكان ذا أصل ديني قديم أو من منبع عقائدي محدث أو متصل بموقف من الدين عموماً ومن حضوره في الفضاء العام بوجه خاص. ويتغذى من تهويل، سياسي وإعلامي، بمخاطر التهديد الإسلامي.
صحيح أن للجمع بين المشاعر المثارة ضد الإسلام والعنصرية ضد الأجانب، وأولهم المسلمون والعرب، قصة بل قصصاً في أوروبا. لكنها ليست قصصاً قديمة. فلعقود ثلاثة خلت، كان أولئك الأجانب عمالاً مهاجرين من جنسيات مختلفة، أي أن صورتهم شكلتها هوياتهم الاجتماعية والوطنية. لم تكن المغايرة الدينية مصدر القلق، ولم يكن عظيماً، ولا اضطراب العلاقات دافعاً لخشية مستمرة، ذلك أنه ظل موسمياً تشعله حادثة وسرعان ما ينطفئ. بيد أن ذلك لا يلغي التأثير التراكمي لتلك الحوادث، خصوصاً وأن اليمين الأقصى غالباً ما سعى الى استثمارها. أما اليوم فبات التشديد على المغايرة الدينية والثقافية طاغياً وصارت تلك المغايرة بمثابة الوعاء الذي يستوعب كل المغايرات، يقلل من شأنها من دون أن يبطل تأثيراتها.
واليوم بلغ هذا التشديد مبلغاً كبيراً وترافق عند البعض مع نوع من القطيعة الفكرية والنفسية التي تصل الى حد نكران ظاهرة "الخوف من الإسلام" برمتها. وفي حالة الإحجام عن الإنكار، بحسب حديث المسلمين عن العداء لهم بوصفهم مسلمين مظهراً من مظاهر سوء التفاهم الثقافي أو توهماً يجري تعميمه لأغراض سياسية. فهناك من كتب أن الشكوى من رهاب الإسلام هي في حقيقة الأمر أداة يتوسلها الإسلاميون كي يتهموا بالعنصرية كل من يعترض على سلوكهم، وأنها تهدف الى حماية الإسلام من النقد الذي لا يستثني الدين في المجتمعات المعلمنة.
بالمقابل، لم تعرف الولايات المتحدة، وبخاصة منذ الستينات من القرن الماضي بعد إلغاء التمييز بين المهاجرين بحسب الجنسيات وحتى مطلع القرن الواحد والعشرين، التشديد نفسه على المغايرة الدينية. كان المهاجرون المسلمون يواجهون مشكلات التكيف وبعض العنصرية، لكنها لم تحل دون تأمركهم، وإن أبطأته قياساً مع تجربة مهاجرين آخرين من دول آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية. إلا أن جريمة الحادي عشر من سبتمبر 2001 وردود الفعل التي تلتها فتحت الباب أمام "خوف من الإسلام" لم يُعرف له مثيل من ذي قبل، لا في الولايات المتحدة ولا في غيرها من البلدان. وتسارعت عملية "شيطنة" المسلمين بشكل مذهل. وراجت لغة تستعيد السجالات القديمة في بعض الحالات أو تطلق في أكثرها سجالات جديدة. ودارت حول فكرة محورية تقول إن الإسلام دين يبرر العنف ضد الآخر المختلف بل يمجّده، وإن قتل الكفار وغير المسلمين، عمل مشروع. وذهب بعضهم بعيداً وفي مقدمهم المتطرفون من الانجيليين المحافظين، في تفسير عقيدة الإسلام وشريعته على نحو يضخم الفوارق بينه وبين المسيحية أو يضيف اليها فوارق جديدة، لا سيما عند إدانته بالانحراف المسيحيين الذي يقولون بالقربى بين المسيحيين والإسلام ويسعون للتقارب.
وفيما لم يتردد بعض السياسيين، وفي مقدمهم المنتمون الى يمين الحزب الجمهوري، في مجاراة ذاك السيل الجارف من مواقف العداء للمسلمين، تردد بعضهم الآخر. فالرئيس جورج دبليو بوش رأى أن له مصلحة بينة في التخفيف من حدة تلك المواقف فلم يتردد، غير مرة، في اعتبار الإسلام دين السلام وبدا محرجاً، بلسان الناطق باسمه، مما قيل بحقه. وازداد حرجاً حين كتب وصرّح بعض المقرّبين منه، مثل فرانكلين غراهام، أن الإرهاب ينتمي الى التيار الرئيسي في الإسلام وليس من فعل حفنة من المتطرفين.
ربما كان بوش متنازعاً، حاله حال الكثير من السياسيين، بين السكوت عن الهجوم على الإسلام ومضايقة المسلمين مضايقة واسعة، ومراعاة مشاعر مواطنيه المسلمين، وكانت أغلبيتهم أيدته في الانتخابات. فللإحجام فائدة وللمراعاة فائدة أخرى. وازدواج المواقف أمر مألوف في سياسة عينها على تقلب الموازين الانتخابية وعلى قياس اتجاهات الرأي العام. ولا يفوتنا في هذا المجال التذكير أن سياسيين كثر لا يقودون الرأي العام ولا ينقادون اليه، وهي مسألة مناقشة عند البحث في خصائص الديموقراطيات المعاصرة، بل يسعون الى تشكيل توقعاته ثم يتجاوبون معها. ويظهر ذلك بشكل جليّ عند سياسيي اليمين الأقصى، في الولايات المتحدة كما في أوروبا. فهم يثيرون مشاعر "الخوف من الإسلام" ثم يدعون الى تفهم تلك المشاعر ويستثمرونها في توسيع قاعدة شعبيتهم، بحجة إخلاصهم لما يحسّه الناس، وإن لم يجاهروا به في كل حين.
بعبارة أخرى، يكاد السياسيون ومعهم وسائل الإعلام، يلعبون الدور الأكثر تأثيراً في تشكيل الصور النمطية وتكوين المواقف لدى الرأي العام. لكن حساباتهم الظرفية، أي الجديدة، توقظ مشاعر قديمة أو تجدّدها، وفي معظم الأحوال يكون هذا التجديد بمثابة صناعة لا سابق لها. وباستطاعتنا أن نتبين ذلك من خلال النظر في كتابات المتشددين من الإنجيليين المحافظين المؤيدين للحزب الجمهوري أو الذين يؤلفون بالأحرى جناحه اليميني. فنقرأ القليل من الأدب الديني القديم والكثير من أدب التعصب والتهجم غير المعروف في العصور السالفة. وتتفاعل قوة التأثير المذكور، في سياق الزمن الطويل، مع التحول في العقليات والأحاسيس الذي يحدثه تراكم الأفكار الدينية وشبه الدينية المتلقاة عند فئة واسعة من الأميركيين، أعني بها المتدينين. ونجد عند هؤلاء نوعين من المواقف، يتميز الأول بتشدد أكثر من الذي نلاحظه في المتوسط الأميركي والثاني بانفتاح أكبر. ففي استطلاع للرأي أجرته في تشرين الأول 2002 شبكة (Beliefnet مع ABC News)، تبلغ نسبة الأميركيين الذين لا ينظرون بعين الرضا الى الإسلام 33% وترتفع عند الإنجيليين المحافظين الى 45% وتنخفض الى 23% عند المسيحيين المنتمين الى الكنائس التاريخية من المذاهب كافة. أما نسبة القائلين إن الإسلام يحض على العنف فهي 23%، ترتفع الى 32% عند الانجيليين المحافظين وتنخفض الى 17% عند المسيحيين الآخرين. ومن شأن هذا التفاوت أن يعزز الرأي القائل إن الأكثر تسيساً وتأثراً بالساسة، وحملة الأفكار المستحدثة عن الإسلام، يصوغها الإعلام قبل أن تخرج من أفواه خطباء المجموعات المسيحية الجديدة، يتفوقون على سواهم في "الخوف من الإسلام"، فيما يتراجع الاحساس المذكور عند المسيحيين المنتمين الى المذاهب المسيحية التاريخية، الذين تفصلهم مسافة نقدية عن الساسة وعن الإعلام والذين عرفت كنائسهم تغييراً في المواقف من الإسلام نحو المزيد من الاحترام والتفهم والرغبة في الحوار.
ـ III ـ
مما لا شك فيه أن الحملة المسماة "الحرب الشاملة على الإرهاب" كانت تشي بمواجهة مديدة لا تقتصر على مكافحة الجرائم المرتكبة باسم الإسلام، وعلى يد الإسلاميين المتطرفين، بل تتعداها الى "تجفيف منابعها"، أي الى عملية واسعة النطاق من غير وضوح في تحديد أهدافها ووسائلها. وبدا وكأن شمولها يبرر النزعة الى التعميم، ولا يحاذر أن تؤخذ فئة واسعة من المسلمين بجريرة فئة أصغر. وأيد النزعة المذكورة، هذه المرة، لا دعاة السياسات وأصحاب الكتابات المحافظة المعروفة فحسب، بل نظرائهم الجدد ممن جعلوا من رهاب الإسلام بمثابة مواجهة كونية مع "الفاشية الإسلامية" حسب عنوان كتاب لـ(Norman Podhoretz) "حرباً عالمية رابعة"، بعد ثالثة يعني بها الصراع الدولي مع الشيوعية.
ورغم أن الرئيس أوباما خرج عن منطق تلك "الحرب" وقدّم رؤية مغايرة للعلاقة مع المسلمين، لم يغب "الخوف من الإسلام" وإن انحسر. أكثر من ذلك، أظهرت قضية بناء مركز إسلامي بجوار البرجين اللذين دمّرتهما جريمة الحادي عشر من سبتمبر، والبناء قضية لا عنف فيها ولا إرهاب، أن إيقاظ مشاعر الخوف من المسلمين والشك حيالهم أو إعادة اختراعها يتمان بسرعة وعلى مدى واسع. بالمقابل، يتسع الاعتراض على التعصب ضد المسلمين، فيظهر حقيقة الانقسام السياسي والديني بين الأميركيين. لم تكن ردات الفعل مجرد تعبير عن الانزعاج الذي سببه التأثير الرمزي لاختيار المكان فحسب، بل تجاوزته الى مواقف تتهم المساجد من دون تمييز بأنها تحتضن إرهابيين ومفجري قنابل، رغم أن عدداً من الدراسات، ومنها ما نشرته جامعة (Duke)، أكدت ما يناقض ذلك. وعلت أصوات تقول إن الإسلام يغزو الولايات المتحدة ويهدد الحضارة الغربية.
وفي الأشهر الأخيرة، ومن دون سبب ظاهر إلا السجالات التي أطلقها مشروع بناء المركز، انتقل الحديث عن الإسلام والمسلمين الى المؤسسات السياسية، فدعا رئيس لجنة الأمن الوطني في مجلس النواب الجمهوري (Peter King) الى جلسات استماع حول اتساع التشدد الإسلامي في الولايات المتحدة والتهديد الحقيقي الذي تواجهه البلاد بفعل هذا الاتساع. ويرى النائب المذكور أن المسلمين، بعضهم حيناً وعمومهم حيناً آخر، غير مخلصين للوطن الأميركي ولا يتعاونون مع السلطات التي تتولى حفظ الأمن وتطبيق القوانين. وتزامن هذا الموقف السياسي مع استعار حملة إعلامية وفي وسائل الاتصال الاجتماعية تدعو الى وقف "أسلمة أميركا" وتحض بشكل سافر على كراهية المسلمين، على نحو ما نقرأ في مدونة (Pamela Geller) وفي منشورات (Brigitte Gabriel) اللبنانية الأصل.
أما في أوروبا الغربية، فالخوف من الإسلام بات اليوم، أكثر من الماضي، يختلط بالتساؤل حول النظام المجتمعي ومسائل الانصهار وإدارة التنوع الديني والثقافي، أو يلبس لبوسه. ففي ألمانيا وبريطانيا نسمع المستشارة ميركل ورئيس الوزراء كاميرون يعلنان فشل النموذج القائم على التعددية الثقافية.
وفي فرنسا، وتحت ضغط اليمين المتطرف المعادي للأجانب، يدعو اتحاد الأكثرية الرئاسية (UMP) الى نقاش وطني حول احترام النظام العلماني في البلاد، وهي تورية للبحث في مسائل الانصهار وخصوصية المسلمين. ويبدو لنا في الحالات الثلاث أن اعتراف القادة السياسيين بإخفاق مجتمعاتهم في معالجة المشكلات المتصلة بالتعدد الديني والثقافي يحتمل إلقاء اللوم على المسلمين أكثر مما يفتح الباب أمام مناقشة حقيقية لاختلالات النظام المجتمعي. ويؤول ذلك الى إشكال مختلفة من التوظيف السياسي والانتخابي لمشاعر تسهل إثارتها في زمن الصعوبات الاقتصادية وتقلص فرص العمل. وهذا ما دفع القيادات الدينية المسيحية في فرنسا الى التعبير عن تضامنهم مع المسلمين، والى الإسراع في التحذير من أن النقاش حول العلمانية يضمر وصماً لهم ويؤدي الى تشجيع الانحياز ضدهم.
صحيح أن مظاهر "الخوف من الإسلام" لا تصل في الولايات المتحدة الى وضع النظام المجتمعي تحت السؤال. لكن المشتركات بينها وبين أوروبا عديدة. حسبنا أن نذكر اثنتين تعنياننا بشكل خاص في بحثنا عن سبل محاربة فعالة للعداء للإسلام والمسلمين. أولها أن في تلك المجتمعات قوى، دينية وعلمانية، تتصدى له ولاستغلاله السياسي. ويتوجب علينا التعرف الحق اليها، والحوار معها، والابتعاد عن الرد على المتعصبين في ميلهم الى التعميم بنزعة شبيهة له تعتبر الغرب مثابة كل متجانس، واحد وثابت في استعلائه وعنصريته. والثانية أن القطيعة المزعومة بين الغربيين والمسلمين، على صعيد القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية، هي وقود الخوف المرضي من الإسلام. وأن الرد عليها يقتضي تأكيد الشراكة في عدد كبير من القيم، وذلك من خلال الحوار، وهذا من نافل القول، وبواسطة التعبير عنها، فكراً وممارسة من قبل المسلمين المقيمين في الغرب أنفسهم. كما يقتضي الرد على القطيعة العمل في البلاد الإسلامية على طي صفحة ما كان بعض الغربيين والمسلمين يدعونه "الاستثناء الإسلامي" من حيث التعثر في إعلاء شأن الحرية وتعزيز المواطنة والمساواة والمشاركة السياسية.

في 14 نيسان 2011
() ألقيت في ندوة "الإسلاموفوبيا.. رؤية السياسيين" في 14 ضمن الفعاليات الثقافية لمهرجان الجنادرية 26.

← Back to Selected Articles