تركيا و"ربيع العرب" - محمد نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
أنقرة :
يلتقي المسؤولون الأتراك على توصيف الثورات العربية بأنها «ربيع العرب»، ويتفقون على أن التغييرات التي يشهدها العرب ستكون جيدة لهم. ويرون أن وصول الكتل الشعبية إلى السلطة مهم جدا، وإذا كانت هناك بعض الصعوبات مثل ما يحصل في ليبيا فهذا من طبيعة الربيع الذي لا يخلو من أمطار ورياح وبرد.
ووسط الربيع الذي تختصره أنقرة بأزهار الخزامى المزروعة في كل الحدائق العامة، يعكس مسؤول تركي ممن يعملون مباشرة في «مطبخ» صناعة القرار التركي وجهة نظر أنقرة في مجمل ما يحصل في العالم العربي.
يقول المسؤول، على طاولة فطور استغرقت ثلاث ساعات على مقربة من مقر حزب العدالة والتنمية وضمت كتابا ومفكرين عربا، إن تركيا ترى أن هذه التغييرات كانت حتمية، والأهم أنها تعكس مطالب الشعوب مباشرة.
ويقول المسؤول إن الأحداث أظهرت سقوط النظرة الاستشراقية التي تقول إن العرب مغلقون على التغيير، وإنهم يقبلون بأي دكتاتور يولّى عليهم، ولكن الانتفاضات العربية أظهرت انه يمكن للشعب أن يقود التغيير.
وينفي المسؤول الاتهامات بأن أنقرة تتدخل في ما يجري لسبب بسيط وهو أن تركيا لا تريد لجريان التغيير أن يتوقف. ويقول إن الدولة الوحيدة المذعورة في المنطقة من التغييرات الحاصلة هي إسرائيل، لأنه بعد ميدان التحرير في مصر سيأتي دور فلسطين، وعلى إسرائيل مراجعة سياساتها. ويوضح أن كل ما يحدث مهم، لكن الأهم القضية الفلسطينية، ومن دون حلها لا حل للقضايا الأخرى.
وبالنسبة لسوريا يرى المسؤول أن «العملية الجارية لا يمكن إدارتها بالشكل الذي هي عليه الآن. ويجب أن يكون الرئيس السوري بشار الأسد قائدا للتغيير لا عرقلته».
ونفى المسؤول أن يكون رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان قد عزف على الوتر المذهبي، عندما أشار إلى أهمية أن يكون الرئيس السوري العلوي زوجته سنّية. وقال إن «الأسد له مكانة محبوبة لدى الشعب، لكن الشعب يريد تغيير النظام. وأردوغان بكلامه يريد الجمع بين العلوية والسنية لا التفريق بينهما».
وحول غضب دمشق من المؤتمر الصحافي لمراقب الإخوان المسلمين في سوريا محمد رياض الشقفة، الذي عقده في اسطنبول، اعتبر المسؤول أن تركيا بلد فيه حرية صحافة فضلا عن أن ما قاله الشقفة «معقول جدا».
ويستاء المسؤول التركي من الاتهام المتكرر للبعض لتركيا، ولا سيما إحدى الفضائيات العربية (الجزيرة)، معتبرا أنها فضلت مصالحها الاقتصادية على مبادئها. وقال إن رفض تركيا المشاركة في غزو العراق، كما موقف اردوغان في «دافوس»، دليل ساطع على أن أنقرة تقدم الثوابت على المصالح. وتساءل «هل تعرفون ما هي الفاتورة التي ندفعها من اجل مواقفنا من فلسطين، وما هي الأفخاخ التي تنصبها إسرائيل لنا في كل مكان؟ لقد عرض الأميركيون علينا 10 مليارات دولار للمشاركة في غزو العراق ورفضنا. وهل سمعتم ما قاله اردوغان في استراسبورغ قبل أيام؟ إن اتهامنا بتقديم المصالح على المبادئ فيه ظلم كبير لنا».
وتوقف عند الوضع في ليبيا، فقال إن كل هدف تركيا هو «إحلال السلام هناك، وهذا لا يكون باحتلال ليبيا، وبعض قيادات الثوار تدلي بتصريحات غير مسؤولة». وأضاف «نحن الذين أعطينا أمين عام حلف شمال الأطلسي شيفرات التدخل العسكري في ليبيا ولم نعرقله. بل إننا اجلينا وسط المخاطر العسكرية الآلاف، ومنهم 400 جريح من مصراتة، ومع ذلك يتهموننا بمعارضة الثوار. إننا لا نفهم هذه الحملة، ومع ذلك تستمر الشائعات. فهل يوجد شيء وراء الأكمة؟ وضد تركيا تحديدا؟».
ويرى المسؤول أن تركيا يمكن أن تشكل نموذجا يستفاد منه على ثلاثة أصعدة: عملية التطور الديموقراطي، والتنمية الاقتصادية، والسياسة الخارجية القائمة على مفهوم الانفتاح.
ونفى المسؤول أن يكون لدى تركيا أية تطلعات عثمانية «لكن التواصل مع العرب والمسلمين يساهم في حل المشكلات ويعزز التعاون ويقرّب العرب والأتراك ذهنيا بحيث نستقي معلوماتنا مباشرة من بعضنا البعض، وليس من طريق الغرب. إن مواقفنا من الربيع العربي ليست تدخلا بل شراكة في تقرير مصير المنطقة». ويرى أن اخطر ما يهدد عملية التحول الحالية أن تتحول إلى صدام سني ـ شيعي.
ويرى المسؤول «أن إيران مهمة جدا للمنطقة، وهي إحدى أقدم وأعرق الدول في المنطقة. وفي محاولات عزلها إشعار لها بأنها مهدَّدة. لكن التواصل معها عن طريق دمجها هو الوسيلة الأفضل، وليس فرض العقوبات عليها والتي عارضناها». وقال إن أمام العالم خيارين، وهو إما الحرب ضد إيران أو دمجها في المنطقة، والخيار الثاني هو الوحيد المقبول. واعتبر أن إيران تستخدم النزعة الشيعية والملف النووي لزيادة نفوذها في المنطقة، لكن هذه مسؤولية الأنظمة العربية التي لو كانت قوية لحالت دون التمدد الإيراني.
واعتبر المسؤول أن التوازنات في العراق لم تستقر بعد ولا تزال قيد التشكل. وقال إن تركيا تتحدث مع الجميع، معتبرا انه بسبب النزاعات السياسية تختفي الصورة الحقيقية المتمثلة بالفقر وإعادة الاعمار والمشكلات الاجتماعية الأخرى. وقال إن تركيا تعارض ضم كركوك إلى المنطقة الكردية، وتدعو إلى وضع خاص لها ضمن المساواة بين العرب والأتراك والتركمان.