Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

أسئلة حول عقيدة أوباما - ناصيف حتي (المستقبل)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

ثمة تقليد مستقر في السياسة الخارجية الأميركية وقوامه ان كل رئيس يبلور عادة في مطلع ولايته خطابا يلقيه أمام أزمة مستفحلة أو تحد جيوستراتيجي ناجم عن تغييرات أساسية عقيدة أو مبدأ يحمل اسمه ويكون بمثابة إطار مفهومي يتضمن الخطوط العريضة أو الشروط الأساسية وكذلك التصور الرئاسي للتعامل الأميركي مع أزمات وتوترات في مفاصل استراتيجية عالمية حيوية بالنسبة للمصالح الأميركية. ويجدر التذكير بأن مجمل العقائد الاستراتيجية منذ عقيدة أو مبدأ ترومان أو الاحتواء الأول ثم مبدأ ايزنهاور أو الاحتواء الثاني مروراً بمبدأ نيكسون ومبدأ كارتر ومن ثم مبدأ بوش، قد تبلور كرد فعل على أحداث وتغيرات أساسية في الشرق الأوسط الكبير وعلى حدوده الأوروبية. خطاب أوباما في 28 آذار (مارس) الذي تحدث فيه عن مسؤولية العمل لإنقاذ ليبيا حمل خاتم مبدأ أو عقيدة أوباما، وأثار وما زال يثير الكثير من اللغط.
حول "مبدأ أوباما" يمكن إدراج الملاحظات التالية:
أولاً، لم يكن من الصعب اختيار المسألة الليبية لبلورة موقف أو مبادئ وقواعد سياسية للتدخل، فهنالك أساساً غطاء عربي رسمي واسع رغم التردد الحاصل والتفاوت في دعم هذا الغطاء، وهنالك توافق واسع أيضاً عربي رسمي وعربي شعبي ضد النظام الليبي مما يسهل ويشجع الانخراط في المسألة الليبية.
ثانياً، في ثنائية الجاكسونية والويلسونية الأميركية أو لغة المصالح الحيوية التي تعكس واقعية شديدة دون الحاجة لأي غطاء أخلاقي تبريري، ولغة المبادئ التي تعبر عنها التدخلية الليبرالية التغييرية والأخلاقية الويلسونية على مستوى صوغها على الأقل، يبدو الميزان في المسألة الليبية أقرب لجهة المبادئ منه لجهة المصالح فليبيا ليست مصلحة حيوية أساسية أميركية مقارنة مثلاً بالعراق أو أفغانستان أو فيتنام بالأمس أو منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام. يسهل ذلك أيضاً الصورة السلبية للنظام الليبي عربياً وإسلامياً.
ثالثاً، انقسم المحافظون الجدد ومعهم الحزب الجمهوري بين قائل ان أوباما الذي انتقد الرئيس بوش الابن بالأمس حول تبريره الأخلاقي الايديولوجي للتدخل في العراق قد تبنى الموقف البوشي أخيراً وبالتالي اعترف بصحته، وبين قائل انه بقي في موقف المتفرج وان واشنطن لم تكن المبادرة والقائدة في الحلف الغربي بل التحقت بالثنائي الفرنسي البريطاني وهذه سابقة خطيرة بالنسبة لهؤلاء، وبالتالي عرضت هيبة القيادة الأميركية الاستراتيجية للغرب للضياع والتساؤل وكان يجب ان يبادر الرئيس بعزم أكبر وبتوقيت مبكر لبلورة ومن ثم قيادة الدور الانخراطي الغربي الدولي في ليبيا.
رابعاً، يتسم الموقف الأميركي بالتردد سواء على مستوى الموقف السياسي أو على المستوى العسكري العملاني في المسرح الليبي، وهناك مخاوف يزداد الحديث عنها وبصوت أعلى بسبب طبيعة التركيبة المجتمعية والسياسية الليبية حول الانجرار والانزلاق غير المقصود الى ما قد يتحول مستنقعاً ليبياً ستجد عندها واشنطن ذاتها أمام خيارين احلاهما مر كما يقال. إما الانسحاب وترك حالة الفوضى تستفحل في ليبيا لعدم قدرة المعارضة على حسم الموقف عسكرياً على كل الأراضي الليبية لمصلحتها، وبالتالي الدخول في حرب استنزاف وتقسيم فعلي خالق لبيئة خطيرة على الاستقرار المتوسطي في أبعاده العربية والأفريقية والأوروبية المؤثرة في المصالح الأميركية، وإما الانزلاق التدريجي الى المستنقع الليبي والغرق فيه. ولا يكفي القول بعدم جواز المقارنة حالياً بين ليبيا من جهة والعراق وأفغانستان من جهة أخرى، لتجميل صورة الدور الأميركي وتخفيف المخاطر الحامل لها، بل يجب النظر الى ليبيا لاحقاً وهي تغرق في حروب استنزاف وتبحث عن تسوية سياسية صعبة في ظل استحالة الحسم العسكري.
خامساً، ان مبدأ أو عقيدة أوباما طرح مجدداً على بساط البحث ضرورة بلورة استراتيجية أميركية ما زالت غائبة تحاول ان تقيم توازناً في إطارها المفهومي للدور الدولي لواشنطن بين أحادية صعبة ثبت فشلها أو محدودية نتائجها وبين ديبلوماسية تقوم على تعددية الأطراف ما زالت في باب التمني عند الكثيرين في العالم ولكن شروط اقامتها بنجاح وفعالية وبشكل مستمر للتعامل مع الأزمات الدولية ما زالت غائبة. فكيف تستطيع الإدارة الأميركية، وهنا التحدي كما يقول عدد من الكتّاب الاستراتيجيين، بلورة استراتيجية انخراط قيادية في الأزمات العالمية والإقليمية التي تهم واشنطن تدمج بين عنصري الأحادية عند الحاجة والتعددية الضرورية الموفرة للشرعية الدولية للاستمرار والنجاح؟
سادساً، صحيح ان لكل دولة في "الربيع العربي" خصوصيتها وربما في ربيع قادم في أقاليم أخرى في العالم، ولكن هل تعمم واشنطن مبدأ أو عقيدة أوباما التي جاءت كرد فعل على الأزمة الليبية على أزمات أخرى مشابهة ولو بدرجات قريبة من الأزمة الليبية، أم تبقى عقيدة أوباما مرتبطة بالحدث الليبي، خاصة أنها لم تحدد استراتيجية الخروج ولا معايير النجاح بشكل واضح يمكن قياسه. والسؤال الذي يبقى قائما وهو مطروح بقوة في الحوارات الدائرة في المؤسسة الاستراتيجية في واشنطن بشكل خاص تتعلق بتداعيات مبدأ أوباما في تطبيقاته على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط ليس فقط تجاه قضايا التغيير الداخلي بل تجاه الأزمات الراسخة في المنطقة وأبرزها ولا شك القضية الفلسطينية.

← Back to Selected Articles