Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

في التسوية اللبنانية المُمكنة والتوازن «الميثاقي» - بهاء ابو كروم (الحياة)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

ينشأ الصراع في لبنان من معادلة رئيسية هي عدم قدرة أي أكثرية على تجاوز أي أقلية، وهذا الأمر ينسحب على المعيارين الشعبي والتمثيلي في آن. لكن المبادرة إلى البحث عن تسوية يقع دائماً على عاتق مَن توْكل «الأغلبية» البرلمانية إليه المسؤولية في اتخاذ خطوات لإيجاد القواسم المشتركة. ناهيك عن أن الشرعية التي تبحث عنها أي من الأكثرية أو الأقلية عادةً ما تصطدم بتخلف قانون الانتخاب عن قدرته في انتاج نمط تمثيلي واقعي على الصعد كافة.

في هذا السياق تبرز الحاجة إلى بناء تسويات داخلية وكأنها من دواعي استمرار الاستقرار السياسي العام في البلاد وتجاهل هذه الحاجة هو من دواعي استدعاء التدخل الخارجي وبروز الاستقطاب الذي يسمح لتحول لبنان إلى ساحة للصراع الإقليمي. وعلى هذا الأساس حصل التحول خلال الاستحقاق الحكومي الأخير الذي أطاح بالأكثرية السابقة. فالحوار السوري السعودي الذي شغل الأوساط اللبنانية طيلة أشهر كان مناسبة لإبرام تسوية حقيقية لكنها لو حصلت لكانت نأت بلبنان عن دائرة الصراع في المنطقة وعزلته عن الحراك الذي يجري على الصعيد الإقليمي، وذلك ليس من مصلحة اللاعبين الأساسيين.

أما على المستوى المحلي ففشل التسوية أدى إلى فقدان قوى 14 آذار للأكثرية النيابية، ولهذا التحول علاقته بالواقع الذي تعيشه المنطقة وعلى مكانة لبنان في الصراع الإقليمي بخاصة بعدما أعلنت الولايات المتحدة فشلها في الضغط على إسرائيل لوقف الإستيطان وبالتالي توقف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين من أجل السلام.

أكثر من واقعة أو حدث سياسي أدى إلى إعادة انتاج الاصطفاف الداخلي اللبناني على قواعد جديدة وإلى تغير المعادلة القائمة في البرلمان، وبالتالي إلى تكليف الرئيس نجيب ميقاتي وخروج سعد الحريري من الرئاسة الثالثة. ففي الشكل لم يكن خروج الحريرية لائقاً إذ تمت استقالة وزراء المعارضة في شكل «استعراضي» افتقد للمبررات الموضوعية وأظهر حاجة فريق 8 آذار إلى تسديد ضربة معنوية تخلو من قدرة على انتاج بدائل وازنة من الناحية السياسية. وفي المضمون كانت حكومة سعد الحريري قد وصلت إلى أفق مسدود بشّر بانتقال النقاش من المؤسسات إلى الشارع في حين أمَدّ الكلام عن التسوية السورية - السعودية من عمرها في شكل مصطنع.

الذهاب إلى اشتباك سياسي على خلفية الموقف من المحكمة كان من الواضح أن أول ضحاياه سيكون رئاسة سعد الحريري للحكومة، الحريري وهو ما ستحتاجه الأكثرية الجديدة لتبرئة «حزب الله» أو سورية عندما يطلع القرار الظني إلى العلن وذلك بغض النظر عن الموقع الذي يشغله إن كان في رئاسة الحكومة أو على رأس المعارضة. إن تجاهل فريق 8 آذار لضرورة التسوية مع الحريري حتى بعد سقوط الـ «سين - سين» فيه شيء من قصر النظر لأن الأهم في كل ما يقوم به هذا الطرف في صراعه مع المحكمة الدولية هو التبرئة المعنوية التي تبدّد التداعيات المذهبية للقرار الظني والذي عند صدوره ستتحول معركة المتهمين مع المحكمة، والمجتمع الدولي الذي يحتضنها، الى معركة لإقناع الرأي العـــام بغير ما يحتويه القرار الظني من وقائع. والحاجة الى أولياء دم لا «يرافعون» مع المدعي العام هي حاجة استراتيجية لا يمكن مقاربتها بمنطق الإلزام والتخويف بل بالقناعة والاستعداد للتضحية وتقديم الدفوع والبراهين المضادة.

لا ينبئ الواقع المستجد بأن الرأي العام العربي، الآخذ في التشكل وفقاً لمعايير وقيَم بدأت تحتل لنفسها مكاناً ولو متأخراً في المنطقة، سيكون متسامحاً مع وقائع ومعطيات تصدر عن المحكمة الدولية، أو أنه سيعتبر ذلك من قبيل التجني والافتراء من دون أن يترك لنفسه مساحة للتفكير أو التمحيص. الشباب العربي في هذه الأيام يطالب المجتمع الدولي والقوى الأساسية فيه لمواكبة تطلعاته وتأييد نشاطه في مواجهة السلطات التي استباحت حرياته وحقوقه. هناك قضايا تتغير وتتصل بنظرة الناس إلى المسؤولين عندهم وإلى الأحزاب والقادة. لذلك فإن التعاطي مع هذه المتغيرات بالشكل التقليدي لا يشكل مخرجاً للأطراف المعنية بقضية إسقاط المحكمة التي لم تعد تفصيلاً بالنسبة الى الكثيرين إنما أصبحت بمثابة قارب نجاة لفريق من اللبنانيين وذلك بسبب سوء إدارة الأطراف التي تقود حملة إسقاطها.

ثمة ما يستدعي التطلع إلى الواقع السياسي اللبناني على أنه مأزوم بالتسويات الموقتة التي لا تقفل الباب أمام قضايا خلافية سابقة بل تؤجلها من باب عدم الاستعداد للتضحية، وهناك من يطمح إلى كسر قواعد التآلف بين الأطراف المحكومة بالعمل المشترك لكي يؤسّس لتوازنات غير واقعية، لكن على رغم ذلك لا تضيع فرصة التوصل إلى حلول دائمة إذا أبدت القوى الإقليمية حرصها على التوازن الداخلي بمعناه الميثاقي وبغض النظر عن منطق الأقليات أو الأكثريات.

← Back to Selected Articles