أوروبا والشرق الأوسط: طلاق بالتراضي؟ - بيتر هارلنغ (الحياة)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
بحثت أوروبا عن إشارات حول كيفية التعامل مع الأحداث المذهلة في الشرق الأوسط المجاور لها. فقد رددت تقريباً جميع البيانات الأوروبية عن الأحداث في مصر وتونس تلك التي أدلت بها إدارة أوباما وهي التي تحاول بخجل اللحاق بقطار الأحداث التي لم يكن بإمكانها التنبؤ بها أو فهمها والتأثير في مجرياتها. لقد حان الوقت لأوروبا أن تعيد اكتشاف الشعوب المجاورة لها، إذ سيكون لهذه الشعوب القول الفصل في سياسة حكوماتها المقبلة على نحو غير مسبوق. أما ذلك الاصطفاف السياسي في المنطقة مع الولايات المتحدة وأصدقائها فهو بمنتهى البساطة لم يعد خياراً بعد الآن.
على رغم العلاقة الموغلة في القدم التي تربط أوروبا بالشرق الأوسط بحكم الجوار الجغرافي والتجارة والثقافة، ناهيك عن الحروب الصليبية والاستعمار، إلا أنهما متباعدان عن بعضهما أكثر من أي وقت مضى. لقد كان الشرق الأوسط على علاقة مضطربة مع الولايات المتحدة منذ خمسة عقود خلت، وقد بدأ الآن بمغازلة آسياً علناً. ولا يبدو أن أوروبا تلحظ ذلك، غير أن الشرق الأوسط لم يعد يكترث لها.
من خلال تفاعلاتهما اليومية يثير كل طرف رؤاه الأكثر ارتياباً تجاه الآخر، إلا أن ذلك لن يمحو تاريخاً من العلاقات المتبادلة بين الجارتين. يمثل الشرق الأوسط بالنسبة الى الأوروبيين ساحة صراعات لا تنتهي وهي بلا طائل، مثلها كمثل أنظمته البائسة التائهة، ومنبعاً للهجرة الخفية والإرهاب، وظاهرة حديثة تصدر عن مجتمعات متخلفة في أساسها.
وإذا قمنا بتنحية الفروق الطفيفة بين سياسات دول الاتحاد الأوروبي جانباً، فإن سياسات الاتحاد تجاه الشرق الأوسط غالباً ما تلعب دوراً كبيراً في تشكيل صورة الأوروبيين لدى سكان الشرق الأوسط، والتي لا يلقى أي من مكوناتها الأربعة الأساسية صدى على المستوى المحلي. يتمثل المكون الأول بالوجود الاقتصادي الضخم للاتحاد، وإن لم يكن ملحوظاً، وهو وجود ذو طبيعة تقنية بحتة يفتقر إلى أهداف سياسية واضحة، إضافة الى كونه مجزأ على أسس ثنائية. ومما يثير الدهشة أن تكون أنقرة، وليست بروكسيل، هي التي بشرت بفكرة «الاندماج الإقليمي»، وهي الفكرة التي تبهر الحكومات والمواطنين على حد سواء في العراق وسورية ولبنان وفي بلدان أخرى.
أما المكونات الأخرى للسياسات الأوروبية فهي المواضيع التي عادة ما تبرز في جدول أعمال زيارات وفود الاتحاد الأوروبي. وتتصدر عملية السلام القائمة دوماً، وهي مسألة يتحاشى الاتحاد الأوروبي، سواء من خلال بياناته الجلية أو مواقفه العملية، أن يضطلع فيها بأي دور معلن بعيداً عن دعم سياسة الولايات المتحدة مع أنه ينتقدها سراً. وباستثناء تمويل السلطة الفلسطينية وإعادة تشييد بنيتها التحتية كلما تم تدميرها، فقد تخلى الاتحاد الأوروبي عملياً عن مسؤولياته الإقليمية. وبكونه جزءاً من «اللجنة الرباعية»، التي صممت بصورة أساسية لتحييد الأصوات المعارضة، فإن الاتحاد قد قبل طواعية أن تقوم واشنطن باتخاذ القرارات الحاسمة، وهو السلوك الذي قوّض مصداقيته، ذلك أن قضية السلام هي القضية الأبرز التي يثيرها الاتحاد في المنطقة.
تلي ذلك مسألة الترويج الفاتر للديموقراطية، وهو ترويج مقوض جراء الاعتماد على نخب سلطوية حاكمة في المنطقة واستخفافها بمجتمعاتها وذلك خشية وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم. وبالتالي فقد انتهج الاتحاد الأوروبي سياسة ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين في التعامل مع الانتخابات – اعتماداً على هوية الفائز- أو الصمت على الممارسات القمعية ضد الضحايا الذين لا يروقون للأوروبيين، وكانت ردود الفعل الأوروبية المترددة على انتفاضتي مصر وتونس خير مثال على ذلك.
وأخيرا، غالباً ما ينظر إلى الإرهاب في الشرق الأوسط والخارج على أنه شكل من أشكال العنف المتأصل في الإسلام السياسي. ولكن كم من الوقت ستستغرق أوروبا العريقة يا ترى، وهي التي من المفترض أن تكون صاحبة الحكمة، لنبذ هذا النموذج من التفكير وإعادة النظر في السبب الأساسي للصراع، وهو الاحتلال والظلم التاريخي، واختلال وفساد النظم السياسية، والإحساس المجتمعي بالغربة؟ أما ذلك النهج الذي يتعامل مع مسألة «الثقافة» باستعلاء فمن شأنه بلبلة الأمور وتوسيع الشرخ بين الشرق الأوسط وأوروبا.
ومما يثير القلق أنه على رغم قرون من التفاعل، تنظر أوروبا إلى الشرق الأوسط بعيون أميركية على نحو كبير، كما لو أنها لا تملك قيمة مضافة أو مصالح خاصة بها. مما يجعل التحديات الخاصة التي تواجهها مخيفة. ألا يشعر الاتحاد الأوروبي بالرغبة الشديدة في الحصول على تفسير منطقي (وليس مجرد احتواء) لأنماط الهجرة؟ ألا يرغب بالحد من تأثير الصراعات في الشرق الأوسط على جالياته المسلمة الناخبة؟ ألا يرغب بضمان الوصول إلى الأسواق الرئيسية (لا سيما منطقة الخليج والعراق)؟ وبشكل أعم، القدرة على المنافسة على ساحة حيث يتشكل توازن قوى عالمي جديد، وهي الساحة التي يملك الاتحاد فيــها، نظرياً على الأقل، ميزات تتضمن القرب الجغرافي والتاريخ والنفوذ الاقتصادي.
وفي أحسن الأحوال فان ما يقوم به الأوروبيون حالياً هو مجرد تنافس في ما بينهم، وغالباً وفقاً لاعتبارات تافهة، وعلى نحو يضر ببعضهم البعض. عوضاً عن ذلك، يمكن للدول الأعضاء التعبير عن خلافاتها، حتى لو تطلب ذلك تعيين لجان صغيرة غير رسمية تكون مهمتها التعامل مع القضايا الخلافية وتوزيع الأدوار والدعوة إلى التآزر في إطار رؤية استراتيجية شاملة وموحدة تجاه الشرق الأوسط.
الأمر أكثر إلحاحاً اليوم هو أن ندرك أن الاضطرابات السياسية الجارية ستطلق سراح الرأي العام في الشرق الأوسط. وهذا لا يعني بالضرورة تحولاً نحو مزيد من التطرف. ولكن ما غدا واضحاً هو أنه لم يعد بإمكان الغرب الاستمرار في الاعتماد على قمع المشاعر الشعبية للتقليل من كلفة سياستها المترددة، حتى لو لم تكن منافقة.
الصراع الملتهب بين العرب وإسرائيل على وجه الخصوص، والذي كان من الممكن أن يطول أجله في ظروف سابقة، قد غدا الآن أكثر تقلباً وكلفة للغرب. وهذا يضع أوروبا والولايات المتحدة أمام معضلة، فإما أن يحاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الوضع الراهن، والاضطلاع بدور متقهقر في منطقة بات واضحاً أنها تريد أن تنظر إلى الأمام، وبذلك فإنهم سيفاجأون على الأغلب حين يجدون أنفسهم خارج كتب التاريخ الذي تتم كتابة سطوره الآن، أو أن يضاعفوا الجهود الرامية لإحداث تغيير في المنطقة حيث تنتظرهم الشعوب منذ عقود لتحمّل مسؤولياتهم المتمثلة في إقناع إسرائيل بأن هناك تنازلات ينبغي أن تقدمها لتوطيد مكانتها المشروعة والاندماج في منطقة الشرق الأوسط.
تآكلت الحجة التي تفيد أن الولايات المتحدة يجب أن تأخذ زمام المبادرة في هذا الصدد كونها تحمل وزناً أكبر مع حليفتها إسرائيل، بسبب عدم قدرة إدارة أوباما على ممارسة أي ضغط عليها. والأمر متروك الآن للأوروبيين لشق درب جديدة لتمتعهم بحرية أكبر في التصرف، ولأنهم يجب أن يشعروا أنهم معنيون مباشرة بمصير جيرانهم.
* مدير مشروع سورية والعراق ولبنان في «مجموعة الأزمات الدولية»