Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

مات الانقلاب عاشت المعارضة - علي الامين (صدى البلد)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

التغيير السلس أو الثورة الدستورية هو البديل للثورة الانقلابية التي كانت تشكل تاريخيا نموذج التغيير السياسي شبه الوحيد في العالم العربي. الثورة الانقلابية هي السياق الذي تدرج فيه الانقلابات العسكرية التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين في العديد من دول العرب. هذه الثورات والانقلابات خلصت الى انتاج او اعادة انتاج الانظمة الفردية والديكتاتوريات ولو تحت شعار الجمهورية والعدالة والمساواة والحرية. بين شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" وشعار "الاستقرار الامني"، تم تقويض الاصلاح السياسي والاقتصادي، ونشأت العائلات المالكة في الجمهوريات، ونمت شبكة مصالح ضخمة محتكرة من قبل فئة ضيقة غذت السلطة واستقوت بها على جموع المواطنين، وحالت دون انجاز نهضة وطنية او قومية، عوض تقديم نموذج ناجح على مستوى التنمية والديمقراطية. وقد جرت مأسسة الفساد الذي نهش في الثروات الوطنية، فساهم في تعميق الشروخ الاقتصادية بين فئات المجتمع. وهمشت السلطات شرائح واسعة من المجتمع سياسيا. وتميزت هذه الجمهوريات والممالك بتعميم فلسفة سجناء الرأي كما استفحل فيها القمع بوجوهه الناعمة والخشنة، وتزايدت اعداد المنفيين لاسباب سياسية.

من العراق الى تونس فمصر، نموذجان للتغيير في السنوات العشر الاخيرة، في المشهد العراقي امكن للولايات المتحدة الاميركية اسقاط النظام العراقي، ليس بسبب استبداديته فحسب، بل بذريعته التي حققت لها فرصة اسقاطه وتحقيق جملة مصالح استراتيجية اميركية في الخليج العربي، من دون ان تحدث تغييرا ايجابيا يغري جيرانه بتمنيه. وفي تونس ثمة محاولة سلسة وجادة للانتقال الى نظام جديد يتيح مشاركة واسعة من تيارات المجتمع. ويمكن ادراج مصر في سياق هذا النموذج. وفي هذا النموذج نلاحظ تقدم شعار الحرية والعدالة الاجتماعية والتعددية السياسية على ما عداه من شعارات تتصل بالبعد القومي ولاسيما قضية فلسطين. علما ان الاخيرة لم تمح من ذاكرة هذه الشعوب، لكنها تدرك في عمق انتمائها وخبراتها، ان قضية فلسطين جرى توظيفها من قبل المتعطشين لاحتكار السلطة، كشعار تم عبره الانقلاب على كل القيم التي تمثلها هذه القضية وطنيا وقوميا وانسانيا، كما جرى استغلالها لضرب كل ظاهرة تنوع سياسي وديمقراطي، ولترسيخ ديكتاتوريات اختصرت المشهد الداخلي ولم تحقق الانتصار الخارجي.

من جهة اخرى، الادارة الاميركية ليست في موقع يتيح لها الاطمئنان الى نتائج هذا الحراك التغييري في مصر، فالحرية التي يناضل من اجلها ابناء مصر، لا يمكن التحكم بما يمكن ان تحمله من نتائج سياسية واستراتيجية ، لكن هذه الادارة لا تصل في ارباكها، الى الحد الذي يعيشه اليوم معظم الانظمة الاستبدادية في العالم العربي، ويدرك المتابعون انها في عهد الرئيس جورج بوش الابن، كانت اطلقت رسائل في هذا الاتجاه، لا سيما على صعيد اجراء الاصلاحات السياسية في العالم العربي والاسلامي، عازية احد ابرز اسباب العداء لاميركا في العالم الاسلامي وما جرى في 11 ايلول 2001 الى الديكتاتوريات وانظمتها التربوية والاجتماعية.

وفي معزل عن صحة هذا الاستنتاج الاميركي او عدمه، ثمة حقيقة هي ان عملية احداث تغيير داخل هذه الدول، لم يكن خارج سياسة الادارة الاميركية في المنطقة، وبالتالي عنصر المفاجأة ليس دقيقا، لذا تبدو الادارة الاميركية داعمة لتغيير سلس يلبي المطالب المعلنة للمتظاهرين في ميدان التحرير في القاهرة، وتشجع مشاركة الاخوان المسلمين وغيرها من الاحزاب والحركات في النظام، لكن انظارها على تثبيت مصالحها الاستراتيجية في مصر، خصوصا التزام الاخيرة بمعاهدة كمب ديفيد مع اسرائيل.
من هنا ايضا المنتفضون في مصر، والاحزاب التقليدية المعارضة يدركون حتى الان حاجاتهم الى هذا الغطاء الاميركي والدولي الذي حال دون استخدام النظام المصري كل ما يمتلك من وسائل البطش، وبالتالي يتمسك هؤلاء بشرط وحيد هو تغيير النظام ورأسه، بما يتيح اطلاق الحياة السياسية، ولجم الفساد واستشرائه، ورفع القبضة الامنية وحالة الطوارىء عن الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد.

مصر حسمت خيار التغيير الداخلي، والنقاش اليوم حول حدوده ليس اكثر. والرئيس حسني مبارك يبحث عن فرصة خروجه الآمن، فالرسالة التونسية وصلت الى القاهرة وتتهيأ للانتقال الى اكثر من دولة. ويكفي شعوب العديد من الدول العربية التي تستعد لتلقي نسائم ارض الكنانة، ان القابعين على السلطة في اوطانهم باتوا مضطرين لفعل شيىء لمنع انتقال العدوى التونسية والمصرية اليهم، على الاقل سيعيد هؤلاء الى قاموس الحياة السياسية كائنا سياسيا جديدا اسمه المعارضة... بعدما كان هؤلاء يفخرون وباعتداد بان ليس في بلادهم معارضة، بل فقط عملاء للاستعمار واليهود.

← Back to Selected Articles