هل تخشى المعارضة السابقة "المعارضة" الجديدة ؟ - ابراهيم بيرم (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
قبل ان يعلن الرئيس نجيب ميقاتي ولادة حكومته، شرعت دوائر معنية في المعارضة السابقة في استشراف حجم الاعتراض الذي توعد به الرئيس سعد الحريري ضمنا وعلنا الحكومةَ الموعودة، وخصوصا اذا ما صحت اغلب التقديرات التي تنبئ بأنه يؤْثر ان يظل خارج جنة الحكم بعدما قبض بشكل او بآخر على زمام الحكومة وأدار دفتها طوال ما يقرب من ستة اعوام.
وتاليا، فإن الدوائر عينها تركز جهودها على المدى الذي يمكن ان يبلغه الحريري في مواجهته لهذه الحكومة، وهو الذي رفع الصوت عاليا في وجه رئيسها المكلف بعد اقل من 24 ساعة على اختياره لهذه المهمة الشاقة، وسعى الى تجريده من اي صفة حيادية او توافقية، وعدّه صراحة مرشح الفريق الخصم، من دون ان ينسى كيف "يؤلب" عليه المرجعية الدينية السنية، التي اوشكت في مراحل عدة ان تعده خارجا على الملة واجماعها، فضلا عن تجييشه للشارع الشمالي على وجه الخصوص، مما عنى في نظر المعارضة السابقة ان الحريري اعلنها حربا مفتوحة على ميقاتي "المتجرئ"على الحلول محله وعلى سلبه ما اعتبره حقا له، وهو رئاسة الحكومة.
وعليه، فإن هذه الدوائر عينها باتت، وخصوصا بعدما وجدت ان التلويح بورقة الفتنة المذهبية قد ظهر اخفاقه في يوم الغضب نهار الثلثاء الماضي وبات بلا جدوى، تقلل من تأثير الخطوات التي يمكن ان يقدم عليها الحريري وفريقه، واستطرادا هل في مقدورها ان تعوق فعلا حراك الحكومة التي بات تشكيلها امرا محتوما، او تسقطها في وقت قياسي؟
الدوائر اياها لا تتعاطى مع وعيد المعارضة المحدثة باستخفاف او استلشاق، ولا تقاربه من باب انه جدي كل الجدة يبث الرعب في النفوس، بل تتعامل معه بواقعية وبناء على جملة عوامل حاضرة او يمكن ان تبرز لاحقا ليبنى على الشيء مقتضاه.
ولعل اول سؤال تطرحه هذه الدوائر في هذا الاطار هو كيف سينجح الحريري الذي صار خارج جنة السلطة ومكاسبها ومغرياتها في الحفاظ على تماسك التحالف السياسي الذي سيشكل هو وتياره عصبه الاساسي، مع العلم ان كل التجارب السياسية، سواء في لبنان وفي خارجه، اظهرت بما لا يقبل الشك ان قوة اي فريق في رأس الهرم شيء، ووضعه وهو على قارعة المعارضة والاعتراض شيء آخر.
ولا شك في ان الدوائر المعنية عينها تمضي في تقليب هذا الموضوع على كل وجوهه، لتجد انه بعد 2 آب 2009، وبالتحديد بعد خروج النائب وليد جنبلاط المدوي من لدن قوى 14 آذار، وهو الذي كان رأس حربة مشروعها وصوتها المدوي، بات نهر قوى 14 آذار يتكون من اربعة روافد، هي: تيار "المستقبل"، "القوات اللبنانية"، حزب الكتائب وبقايا مسيحيي قرنة شهوان.
ولا تنكر الدوائر المعنية انها تعمدت رصد فعل هؤلاء وخط سلوكهم السياسي يوم أحداث 25 كانون الثاني، وبالتحديد بعدما علم من يتعين ان يعلم ان ثمة مستجدات مفاجئة افضت الى ان يكون في الساحة السياسية مرشح آخر وأكيد سيقيم في السرايا الكبيرة وسط بيروت.
ولقد تبين لها ان المنتمين الى الرافد الثاني قد غابوا عن المشهد ولم يسمع لهم صوت، فيما الرافد الثالث بدأ يبعث بإشارات ولو ضئيلة الى من يعنيهم الامر أن في داخله سجالاً حقيقياً غير محسوم حول فوائد المشاركة وخسائر المقاطعة للحكومة المقبلة، بذريعة تاريخية، وهي ان حزب الكتائب هو حزب مشارَكة في السلطة لا مقاطعة منذ اواسط عقد الخمسينات من القرن الماضي. اما الرافد الرابع فقد آثر رموزه الانتظار.
وفي لحظة معينة، وجد تيار "المستقبل" نفسه وحيدا في الشارع وميدان الاعتراض، في عاصمة الشمال وفي بعض احياء بيروت وبلدات البقاع الاوسط، ولم يبادر الى نصرته من كان ينتظر نصرتهم اياه في اللحظة العصيبة.
اما السؤال الثاني، فهو: ماذا عن جوهر الموقف السعودي، في ظل توارد معلومات تقول ان "المفاجآت" السياسية التي شهدتها الساحة اللبنانية منذ عشية الاحد الماضي، او بالتحديد بعد بروز اسم الرئيس ميقاتي وانقلاب الموقف في مجلس النواب، امر لم يحصل من دون علم القيادة السعودية او جزء اساسي منها، بدليل ما نشرته وسائل اعلام سعودية اساسية لاحقا من انتقادات لا تخلو من الحدة لأداء الرئيس الحريري وسلوكه السياسي بعد تسمية ميقاتي.
ولا يتوقف الامر عند هذه الحدود، بل ان في الاوساط السياسية اللبنانية من يتحدث عن رغبة مضمرة لدى السعودية في العمل على الحد من "خسائرها" السياسية في المنطقة بعد الحدث المصري وقبله الحدث العراقي، وهذه الرغبة لا تترجم الا بمحض حكومة الرئيس ميقاتي التأييد والمباركة، وبالتالي الطلب من خصومه المعنيين الارتضاء بواقع الحال.
اما السؤال الثالث، فيتصل بمدى قدرة الرئيس الحريري وتياره وحلفائه على المضي في لعبة الضغط في الشارع، وخصوصا ان ثمة اصواتا بلغتها من اوساط مسؤولة من قوى 14 آذار تتوعد بتحركات مستمرة تكبر وتتمدد على طريقة كرة الثلج في الشارع، تقلب المعادلات السياسية القائمة وتؤسس لإطاحة حكومة ميقاتي، بعد اقامة التناقضات والعقبات في وجهها.
بيد ان هذا الخيار، وهو بالنسبة الى الدوائر المعنية ذاتها اقل شيء تخشاه، وآخر خيار تحذره، ولاسيما بعد النتائج والعبر التي تمخض عنها ما اطلق عليه "يوم الغضب"، وخصوصا ان فريق 14 آذار ليس في امكانه رفع قضية يجمع على اساسها الجمهور ويحشده ويعبئه، فضلا عن ان الرئيس ميقاتي اظهر انه ليس بذلك الذي يمكن التأثير عليه، ودفعه للمسارعة الى التخلي عن الكرسي الذي وصل اليه بأكثرية نيابية مريحة، وبنصاب وطني لا يستهان به.
وفي كل الاحوال، لا يخامر الدوائر اي شك في ان المعطيات والتطورات الموضوعية التي تؤدي الى نشوء حركة مماثلة لحركة 14 آذار عام 2005، لا يمكن ان تتكرر في اي شكل، فضلا عن ان لعبة الشارع تحتاج الى "محترفين" يخوضون غمارها، وهي صفة قد لا تتوافر في الذين يهددون باللجوء الى هذا الخيار البالغ الصعوبة والذي ينطوي على اخطار وتداعيات غير مأمونة.
اما السؤال الرابع، فيتصل بالرهان على القرار الظني المتوقع صدوره عن المحكمة الدولية في لاهاي. ولا تكتم هذه الدوائر المعنية عينها انه تناهى الى سمعها وعلمها، ان فريق 14 آذار يردد في اوساطه ومجالسه العامة والخاصة، ان صدور هذا القرار سيكون له صدى الزلزال الذي سيقلب الاوضاع رأسا على عقب، وانه سيعيد الامور الى نصابها وسيجعل فريق المعارضة السابقة في موقع المرتبك المحاصر، بعدما خال نفسه رابحا في اعقاب اطاحته بحكومة الحريري والاتيان بمرشح آخر لهذا المنصب.
وكذلك لا تخفي الدوائر ذاتها ان ثمة في اوساط 14 آذار من يقول ان موعد صدور القرار سيكون اقرب مما يظن كثيرون، ويذهب بعضهم الى حد تحديد صدوره اما يوم 14 شباط المقبل، او قبله، لما لتزامن صدور القرار والذكرى من معان رمزية.
وعلى هذه المناخات تجيب الدوائر نفسها بأن القوى التي نجحت في إسقاط حكومة الحريري وإخراجه من رئاسة السلطة الاجرائية، قد أعدت لمواجهة الامر عدته اللازمة. وهي تشير في هذا السياق الى ان الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، اعلن في اطلالته الاخيرة صراحة، أن ثمة فصلاً بين مسار تأليف الحكومة المقبلة ومسار القرار الظني، اذ سيكون حيال الحدث الثاني كلام آخر وتصرف آخر.
وكما رفض الفريق المناهض للمحكمة في السابق إلحاح الكثيرين، ولم يشأ الافصاح عن خياراته في حال تسليم القاضي دانيال بلمار القرار، فإنه سيسلك السلوك نفسه حيال رد فعله في مرحلة ما بعد صدور القرار، من دون ان ينفي ان لديه مفاجآت، ان كان بقي لهذا القرار من جدوى ونفع ودوي، بعد كل التطورات المتسارعة التي حصلت في لبنان، ثم الآن في الساحة المصرية.
وفي كل الاحوال، وبين خيار المضي في نهج المكابرة والرهانات والحسابات الخاطئة وخيار المراجعة والحد من الخسائر وقراءة الواقع بتبصر وتعمق، فإن الدوائر المعنية، ما برحت ترى ان الرئيس الحريري رغم كل ما حصل يجنح الى التزام الخيار الاول، وهذا شأنه.