الكنائس اللبنانية المصدومة والتماهي مع مأساة مسيحيي العراق - دنيز عطاالله حداد (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
أرخت مجزرة الكنيسة العراقية بظلالها الثقيلة على الكنائس اللبنانية. كفكفت إدانات كل الطوائف والاحزاب بعض الدمع، لكنها لم تستطع أن تضمد الجراح المفتوحة على الخوف.
فالكنيسة اللبنانية التي تعتبر نفسها، من دون تصريح، حاضنة مسيحيي الشرق ومصدر قوتهم وسندهم، تتماهى مع حال الكنائس العراقية ومسيحييها.
ما بعد «الإرشاد الرسولي» و«المجمع البطريركي» حسمت الكنيسة موقفها. لا للإحباط. نعم للمواجهة السلمية والديموقراطية. نعم لاستعادة الدور المسيحي سبيلا لاستعادة الحضور والمشاركة الفعلية والفاعلة في صوغ سياسات البلد.
لكن صدمة كنيسة العراق توقظ في أبناء الكنيسة المواجع والمخاوف. يسمع الكهنة والأساقفة أبناء رعاياهم يتعاطفون مع مسيحيي العراق ويسألون «هل يجب أن نخاف من مصير مماثل»؟
ما يبعث على الطمأنينة أن اتفاقا، يقارب الإجماع، يبديه الأساقفة تجاه الوجود المسيحي في لبنان وثباته وضرورة تعزيزه. يشددون على التمسك بالأرض وكل ما عليها من تاريخ من أجل بناء مستقبل أكثر استقرارا. لا يعميهم ذلك عن رؤية الأخطار الكثيرة من حولهم، ومع ذلك يصرون على القول: «لبنان حالة خاصة ومصيرنا نصنعه بأنفسنا. نحن حملان المسيح لكننا ايضا أبناء من هدم الهيكل على الرؤوس».
لا يعني ذلك أن أبواب الأديار المغلقة لا تناقش الأخطار على كل الصعد. أخطار يختصرها أحد الآباء المواكبين بالآتي: «الاصولية. تنامي العنف في المنطقة وتراجع الطروحات الجامعة في مقابل العودة الى أصغر نواة المجتمعات. التضييق على الحريات العامة والفردية. تدهور الاوضاع الاقتصادية وانكفاء الحكومات عن القيام بدورها الاساسي في هذا المجال. غياب الاستقرار الذي ينعكس قلقا وتوترا دائمين. والناس، مسيحيين ومسلمين، يحتاجون الى الانشغال بأمور اخرى في حياتهم غير البحث الدائم عن الطمأنينة».
تحضر مأساة الكنيسة العراقية في الأحاديث. يقول أحد الاساقفة «لقد هاجر من العراق نحو 500 الف مسيحي منذ العام 2003 وهو رقم يتجاوز نصف المسيحيين الذين كانوا موجودين فيه. ومع إدراكنا بصعوبة الوضع العراقي إلا أن تحركا عراقيا اولا كان مطلوبا، ولا يزال، للحفاظ على نسيج البلد ومكوناته. فالمسيحيون هم جزء مكون لثقافة وحضارة كل بلدان المنطقة. كانوا قبل الإسلام وتعايشوا معه، ومن العار علينا جميعا أن نعجز اليوم عن الحفاظ على أوطاننا بكل مكوناتها».
ومن العراق الى لبنان. يبدي المعنيون قلقا من مسار الامور. يختلفون في حجم تحميل المسؤوليات. فداخل الكنائس نفسها تتعدد الآراء والميول السياسية. لكن تلتزم معظم كنائس لبنان، بنظامها البطريركي الصارم.
وينقل أحد الآباء «استياء المراجع الروحية الكاثوليكية من تسليم المسؤولين اللبنانيين غير المبرر لتحكم الآخرين بأقدارنا واستقرار بلدنا». يقول «إن البطاركة الكاثوليك في لبنان الذين يثمنون كل جهد مبذول للحفاظ على استتباب الاوضاع في لبنان من أي جهة أو دولة أتى، يبدون استغرابهم من إشهار اللبنانيين عجزهم عن إيجاد حلول لمشكلاتهم وكأنهم ينتظرون أن تفرض عليهم الحلول من الخارج فرضا». ويعلق الأب المسؤول «ان في هذا التسليم اعترافا ضمنيا بأننا نتعايش بالإكراه، ونصوغ سياساتنا بالإملاء، ونسيّر أمورنا بالتواطؤ الكاذب. وهذا ما نرفض كأفراد وككنيسة أن نصدّقه. فاللبنانيون ارتضوا بخيار حرّ أن يبنوا وطنهم معا وهو ما عليهم ترجمته في ممارساتهم اليومية. وفي طليعة هؤلاء، السياسيون وأصحاب القرار. واننا في الوقت نفسه لا نعفي المجتمع من مسؤولياته. وعلى الناس أن يحتكموا الى ضمائرهم وحتى الى مصالحهم قبل الانجرار وراء طروحات سبق أن اختبروها وعرفوا الى أين تودي بهم وبأبنائهم وبوطنهم».
يقول أحد الاساقفة الموارنة «ان رهان الكنيسة المارونية، كما كل الكنائس الكاثوليكية الخارجة لتوها من سينودس بللت أطرافه بدم مسيحيي العراق، هو على نهوض الدولة وإمساكها بشؤون البلد والناس. الدولة التي تحمي وتنصف وتحفظ الحقوق. الدولة التي تحتكر وحدها السلاح والامن والحفاظ على أرواح المواطنين. الدولة التي تصون حريات الأفراد والمجموعات وتلتزم مواثيق حقوق الانسان والشرعة العالمية. الدولة التي لا تميّز بين الناس وتساوي بين كل المناطق، لا بل تخص الأكثر حرمانا باهتمامها ورعايتها. الدولة التي تسمع أوجاع المواطنين في حياتهم اليومية ومشاكلهم المعيشية وتوليها الاهتمام».
يستفيض الاسقف في الحديث عن «واقع المدارس والجامعات الكاثوليكية وتزايد عجز الأهالي عن سداد الأقساط المدرسية والجامعية». يمر على قطاع الاستشفاء وأعباء الحياة اليومية ليخلص الى القول «ان الكنيسة اللبنانية التي تقف دوماً الى جانب أبنائها تعاني اليوم مثلهم وتشعر بمعاناتهم مع تراجع قدراتها على المساعدة وتقديم العون الى الأكثر حاجة من أبنائها».
هموم الكنائس اللبنانية وهواجسها متعددة. تستحضرها بقوة هموم الكنائس في دول الجوار القريب والبعيد. بسببها عقدت عشرات المؤتمرات ومئات حلقات التفكير والبحث والتحليل. لأجلها قامت مبادرات تضامن محلية وخارجية. ولمساعدتها كان «الإرشاد الرسولي» وبعده السينودس ورسائل بابوية ونداءات بطريركية وحوارات إسلامية ـ مسيحية.
لكن كيف يمكن تبديد هذه الهموم والهواجس؟
نقل المجمع البطريركي عن أحد أساقفة الكنيسة اللاتينية بعد زيارته قنوبين ووادي قاديشا والاطلاع على تاريخ البطاركة الموارنة الذين سكنوه قوله «ان روح قاديشا يجب أن تنتقل الى بيروت».
ويشرح «المجمع» معلقا «كان يقصد أن الماضي لا يقوم بالحنين والعودة اليه بالقفز فوق الزمن وتطورات العصر والتسمر في التقاليد والعادات القديمة: بل يجب استلهام ثوابت الماضي وأمثولاته وبثها في عالم اليوم».