شعوب الله المختارة - علي الامين (صدى البلد)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
يبدو الحدث السياسي المباشر هو الطاغي في يومياتنا اللبنانية. الحدث بوجهه المفضي الى مزيد من التنابذ، والاستقطابات العصبية، الى الحد الذي باتت اسئلة النهوض بالمجتمع والدولة وبمصالح المواطنين العامة والخاصة، اسئلة تغرد في غير سربها، ولا مكان لها في الخطاب السياسي المتداول، وحتى عن اولويات المواطنين عموما.
لكن في خضم هذا الضجيج والصراخ والاستنفار العصبي الممتد على مساحة الوطن واكثر، نجد ما يفرض احيانا النظر الى كيف تسير بنا الاحوال، وكيف نتلقى في يومياتنا صدى كل ما يدور حولنا. ثمة اسئلة تشغلنا وتتجاوز قدرتنا على الاجابة عنها، لانها تفوق قدرتنا على التأثير بها فيما نتوهم احيانا اننا قادرون على ذلك وبيسر ايضا.
هكذا عندما نستحضر في بلدنا الصغير كل المشاريع الكبرى وصراعات الدول من شرقها الى غربها، ونوهم انفسنا بأننا شعب الله المختار، الذي يستطيع ان يغير وجه المنطقة وربما وجه العالم. ننتشي بموقف هنا وبعضلات سوانا هناك، نغرق في عالم كبير ونحن نظن اننا من يحرك امواجه. في المقابل نهرب من المشهد الواقعي ونتخفى بهذا الكلام وناطحاته الضاربة في الفضاء، عما يجري في مجتمعنا مما ترتكبه ايدينا وما يمكن ان نغير فيه ونقدم شيئا يليق بما يسمى دولتنا ومؤسساتها ومواطنيها.
في الواقع ثمة مجتمع يتجه اكثر فأكثر الى مزيد من الاستسلام لدوائره الضيقة.
يمارس فعل انغلاقه فيما يتغنى بانفتاحه على الاخر. ثمة استسهال للايغال في العبثية السياسية والثقافية والاجتماعية، وعجز عن ممارسة سلوك الارتقاء نحو سوية المواطنية والتزاماتها وحقوقها. ولعل من اوجه هذه العبثية تسرب مقولة "شعب الله المختار" وتحكمها بآليات التفكير والتعبير والممارسة.
لكأننا ونحن نباهي بالوقوف في وجه الفكرة الصهيونية وثقافتها العنصرية، نجدنا مستلبين بايقاعها ومنطقها من دون ان ندري، او ربما بارادة واعية ننشدها صباح مساء. هكذا ومع صعود فكرة "يهودية الدولة" في المشروع الاسرائيلي اخيرا، يواكبها بشكل مواز ومتناغم، صعود المذهبيات في لبنان وعلى امتداد المنطقة العربية. اذ يكاد العصب المذهبي يكون هو الطاقة الفعالة الوحيدة والفاعلة في المجتمع، يركن اليه ويغذيه من يستطيع استثماره، وهو سلاح يتوسله، على ما نلحظ، من يفتقد القدرة ومشروعية النهوض بالدولة والمجتمع. هكذا تنغلق شعوبنا اللبنانية على أنفسها، لتبدأ عملية النهش بالأخر او المشترك الوطني، لتصل الى الذات وتبدأ عملية التدمير الذاتي.
اذ حينما تتحكم مقولة الشعب المختار بعقولنا، سوف نجد انفسنا معنيين بالدفاع، وربما الاستماتة، في حماية كل الاخطاء التي تنهش في هذه الدوائر المغلقة ومن داخلها. وحتى الخطايا مبرراتها جاهزة، ومفادها ان "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". وذلك في لحظة ما يراودنا ويباغتنا سؤال ملتبس ومتشعب، مفاده: ما الذي غيرته الثقافة الدينية بتجلياتها المذهبية وبكل ما تحمله الى مجتمعاتها؟ هل اضفت ما يمكن الاعتداد به على صعيد السلوك الاجتماعي والاخلاقي والسياسي؟ هل زاد في مجتمعاتنا المغلقة منسوب الصدق؟ والامانة؟ والايثار؟ والمحبة؟ واحترام الذات والآخر؟ هل تراجع الفساد الاجتماعي عما كانه ؟
نكاد نقول: ثمة انكفاء وتراجع خطير على هذا المستوى، وثمة انكفاء لكل ما يؤدي الى الارتقاء بالمجتمع والدولة. بل نشهد تفش لظواهر اخلاقية واجتماعية خطيرة في مجتمعاتنا. لننظر حولنا ونحن نحدق في البعيد، سنجد في اي حال نعيش، وقد لا نرى... لأن نشوة شعب الله المختار، قد اعمت ابصارنا وبصيرتنا ...