Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

إيران تلتف على سوريا وتعيد برمجة علاقاتها اللبنانية - هيام القصيفي (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

هل فوّتت المعارضة فرصة "الانقلاب" على الاكثرية كما فوتت 14 آذار فرصة اطاحة الرئيس اميل لحود عام 2005؟
الواقع ان ثمة تشابها جوهريا في مقاربة المرحلتين، مع وجود اللاعبين انفسهم منذ ذلك الحين. وقوى 14 آذار التي كانت تملأ الساحات في تلك الاشهر التي اعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وصلت في بعض مناقشاتها في الكواليس وفي العلن الى حد وضع تفاصيل دقيقة عن الوصول الى قصر بعبدا وحشد التظاهرات حوله، لاجبار لحود على التنحي، ولاتخاذ خطوات متقدمة اكثر. ومن رافق تلك الفترة يذكر ما قام به حينها الجيش من تطويق كامل لكل الطرق المؤدية الى القصر الجمهوري لمنع الوصول اليه، فيما كانت شخصيات 14 آذار تدرس احتمالات الربح والخسارة في القيام بالخطوة الاستثنائية.
لكن ليس التريث وحده الذي أضاع فرصة الانقلاب، بل كان وراءه عنصران جوهريان، الاول داخلي وهو رفض البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير اللجوء الى خيار مر هو تنحية رئيس الجمهورية الماروني بالقوة قبل انتهاء ولايته، ولو عن وجه حق. والثاني دخول الاتصالات الدولية مرحلة متقدمة، ومساهمة العواصم الكبرى في تهدئة موقف قيادات 14 آذار، ومن بينها الدور الذي اضطلعت به واشنطن في ابقاء شعرة معاوية مع لحود وابقائه في القصر الجمهوري.
قبل شهر من الآن، وقفت المعارضة موقف الاكثرية الحالية قبل خمسة اعوام. اذ بدا واضحا ان قيادات المعارضة تسير بتؤدة نحو خطوات استثنائية للامساك بمفاصل السلطة تدريجا، عبر شلّ المؤسسات الرسمية والتحكم في مفاصل الحياة السياسية، وصولا الى الاطباق على ما تبقى من الحكم الاكثري الذي ينهار تدريجا امامها.
منذ شهرين تجمع المعارضة اوراقها في سلة واحدة، اذ نالت من الحريري اعترافا بشهود الزور، وانتزعت منه الانفتاح غير المشروط على سوريا، فيما وضعت فوق رأسه سيف التغيير الحكومي. وحصلت من الاكثرية على تراجع مطرد في مقاربة الوضع الداخلي تحت هاجسي الحرب والفتنة، في وقت سجل "حزب لله" حضورا متقدما في ملف المحكمة الدولية. وكذلك افادت المعارضة من تضعضع فريق الاكثرية وتراجع قيادات الصف الاول عن المواجهة، بعدما باتت محصورة بشخصيتين او اكثر بقليل، من دون ان تستعيد هذه القوى الألق الذي عاشته عام 2005 ولا حتى ابان الانتخابات النيابية الاخيرة.
في ميزان المعارضة انها كانت على قاب قوسين من الانقلاب الجذري. لكن لعبة الوقت ارتدت عليها، فخسرت الفرصة التي كانت بين يديها، بسبب تجمع عوامل عدة محلية واقليمية، ساهمت في تراجع المنحى الانقلابي لمصلحة خلخلة الوضع الحكومي الداخلي.
لم تكن زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد لتشكّل نقطة تحول بالمعنى الاستراتيجي للدور الايراني في لبنان، لا بل أمكن التعامل معها على انها لم تضف جديدا في السياق الذي ارادت طهران اظهاره للعالم العربي والانظمة السنية، في تحويل لبنان مدى حيويا لها. كانت هذه رؤية الرياض ومصر، اللتين تعاملتا مع الحدث الايراني بعقلانية مطلقة، لكونه ارتدّ سلبيا على طهران، وليس كما حاول الرئيس بشار الاسد ايحاؤه في لقائه مع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزير في مطار الرياض.
تدرك الرياض ومصر، وكذلك دمشق، جوهر المحاولة الايرانية "التسلل" الى قلب المجتمع اللبناني، كما حاولت سوريا القيام به منذ عام 1975، والسياسة الجديدة التي تتبعها ايران عبر ديبلوماسيتها في لبنان "باللغة العربية" عبر الانفتاح المطلق على معظم القوى السياسية يمينا ويسارا. وهو امر سبق ان قامت به من منظار مختلف ابان حكم الرئيس محمد خاتمي الذي ترافق مع قيام "لقاء قرنة شهوان" في بيروت.
والمقاربة الايرانية الحديثة تفترض ادوات جديدة، منها تطبيع الوضع اللبناني وتهدئته في المدى المنظور لصياغة دور مستقبلي اكثر فاعلية. من هنا كانت تجربة ايران في التعامل مع الملف النووي نموذجا للمعارضة، او بالاحرى لـ"حزب الله" في التعامل مع المحكمة الدولية. فكلا الملفين سيف مصلت على رأس طهران وربيبها اللبناني. ولكن بقدر ما كسبت طهران قدرا وافرا من الطمأنينة في إمرار الوقت والعمل مع العقوبات الدولية على انها امر واقع، يمكن "حزب الله" ان يحاكي التجربة الايرانية ويتعامل معها على انها معركة وليست حرباً، تماما كما قال يوما الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله في مقاربة حرب تموز 2006.
وفي موازاة طهران، أدت السعودية ومصر دورين متقدمين في قلب موازين القوى. فالرهان على خفوت الدور المصري بسبب الانشغال بتوريث الرئيس حسني مبارك نجله جمال، حسمته مصر مع تأكيد الذهاب في خيار "التجديد" او ترشيح مبارك الاب مجددا للرئاسة المصرية، بتشجيع اميركي عبّر عنه اكثر من مركز استراتيجي اميركي للابحاث، وهذا يعني سلوك مصر مجددا الطريق نفسه في مقاربة الملفات اللبنانية والفلسطينية والعراقية، وكل هذه الملفات على تماس مع ايران ومع دمشق، ولا يخفي أي من مسؤولي البلدين شعورهما النافر حيال الآخر.
اما التحول الاكثر بروزا فكان موقف الرياض، في "قمة المطار" التي سمع فيها الاسد كلاما مختلفا عما سمعه في القمم الثنائية السابقة. فما كانت وعدت به الرياض في الضغط لتأجيل القرار الاتهامي، وتحدث زوار دمشق قبل نحو شهرين من الآن عن ارجائه الى ما بعد عام 2010 تبدل جذريا بعد الدعم السوري لترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية. وهذا يعني ان السعودية صارت في حل من اي ضغط تمارسه دوليا، (رغم ان الكلام على ضغط سعودي يسبب حساسية لكل من يتعاطى الملف القضائي الدولي) لوقف مسار القرار الاتهامي. بل ان ثمة من نقل كلاما سعوديا مفاده ان الرياض تخشى ان يصبح لبنان تحت رعاية المجتمع الدولي اذا ما واجه أي طرف فيه بالقوة العسكرية القرار الاتهامي.
بين هذه المحاور، تحاول دمشق النفاذ، فيما لم تغب واشنطن عن خط متابعة مجريات الاحداث السورية وانعكاسها اللبناني. بل ان مجريات الاحداث دلت على انه في هذه الفترة الزمنية منذ عام من الآن، كانت دمشق تتحدث بثقة مطلقة عن عودة السفير الاميركي اليها، وهي الآن تروج لكل لقاء يجريه اي موظف او مسؤول اميركي يزور دمشق، مهما تكن رتبته. لكن دمشق تدرك بعد لقاء الملك السعودي ان ثمة متغيرات يجب التعامل معها، وان أي تحرك لبناني لم تعد لها اليد الطولى فيه، رغم محاولتها استعادة بعض حلفائها السابقين، بعد تقدم الدور الايراني في صفوف المعارضة. وقول الاسد في "الحياة" ان طهران تتعامل مع لبنان في العموميات، ولا تعرف التفاصيل اللبنانية مثل سوريا، يحمل اشارات لايران اكثر منها للبنان.
من هنا عاد الوضع الداخلي اللبناني الى نقطة المراوحة، والى المربع الاول، فغابت اخبار الانقلاب لمصلحة المراوحة. وعادت اللعبة الداخلية للتحرك على وقع اخبار مناقشة الموازنة والفساد والاصلاح والكهرباء و"سوكلين" في لعبة انتظار جديدة كي تنكشف معالم التحرك في المنطقة في ضوء الانتخابات الاميركية النصفية وتشكيل الحكومة العراقية.

← Back to Selected Articles