ميزان القوى انقلب في لبنان ؟ - سركيس نعوم (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
يعتقد بعض الجهات السياسية اللبنانية، وهو قريب من فريق 8 آذار، ان البعض الآخر من الجهات نفسها، الذي لا يزال يعتبر ميزان القوى داخل لبنان في مصلحة فريقه – على ما ورد على لسانه في هذه الزاوية امس – إما يعيش في الاوهام، وإما يجهل الواقع او يتجاهله، أو انه يتمتع بشخصية "رومانسية". وهو يبرر اعتقاده بالآتي:
1- القول ان الطائفة الشيعية ليست كلها مع "حزب الله" وحركة "امل"، وهو صحيح في صورة عامة، فعلى صعيد ولاية الفقيه لا يوجد إجماع شيعي لبناني. وعلى صعيد إحلال التقاليد الاجتماعية وطريقة الحياة الايرانية مكان اللبنانية في اوساط الشيعة ليس هناك إجماع كذلك. والنخب وبقايا الاحزاب والعائلات "الاقطاعية" سابقاً تتمسك برفضها سياسة "الحزب والحركة" لبنانياً واقليمياً. لكن الانطلاق من ذلك للقول ان الطائفة ليست موحدة، على الاقل الآن، حول اهداف محددة ليس في محله، فـ"حزب الله" حرّر الجنوب عام 2000، واثبت عام 2006 قدرته على مواجهة اسرائيل عسكرياً. و"حزب الله" ساعد كثيراً في تسيير دورة حياة اقتصادية في الجنوب انعكست استقراراً وقدرة على مواجهة الصعوبات المعيشية، وهو اعطى الشيعة الذين طالما شكوا الحرمان المتنوِّع دوراً أول في الكيان اللبناني، وجعلهم يشعرون بهويتهم وحجمهم وبضرورة ترجمة ذلك في السلطة والمؤسسات. وهذا امر مشروع في بلد يقوم على طوائف تحولت شعوباً. ولعل ما ساعده للنجاح هو عودة المذهبية الاسلامية الى الواجهة والاصطفافات التي ترافقها. كل ذلك جعل الغالبية الساحقة من شيعة لبنان مع سلاح الحزب ومع استمراره لاعباً اساسياً ومع تحالفاته، وخصوصاً بعدما صاروا يشعرون، مثل السنّة تماماً، انهم دخلوا مرحلة الدفاع عن النفس بل عن الوجود الحر والكريم والآمن والفاعل.
2 - القول ان غالبية الطائفة الدرزية المؤيدة للزعيم الدرزي الابرز وليد جنبلاط لم تستحسن تحوله السياسي او "انقلابه" على 14 آذار صحيح، لكنه ناقص، وهو يكتمل عند اضافة الآتي اليه: لكنها وعند "الحزة" "تمشي" مع وليد بك وتتبنّى خياراته. وقد أبلغ "وجهاء" فيها ذلك الى الـ"بك" اكثر من مرة، ومعه اعتراضهم على محاولته منعهم من التعبير عن رأيهم المعارض. وما ساعد على وحدة الطائفة في خيارها الجديد – القديم هو ان "الزعماء" الآخرين فيها هم الذين دفعوا جنبلاط الى الخيار المذكور.
3 - صحيح ان هناك "بلوك سنّياً" كبيراً معادلاً تقريباً لـ"البلوك الشيعي" الكبير، لكن ما نسيه اصحاب نظرية استمرار ميزان القوى اللبناني في مصلحة 14 آذار هو ان عند "حزب الله"، مباشرة ومن خلال سوريا، كما لدى سوريا وربما لاحقاً من خلال ايران، حلفاء داخل الطائفة السنّية، بعضهم له تاريخ شعبي، وبعضهم الآخر له تاريخ من الصدقية والاحترام، وبعضهم الثالث له تاريخ من "التعامل" المصلحي. وهذا الامر ليس موجوداً عند الشيعة اليوم باستثناء حالة واحدة هي الزعامة الأسعدية، التي يحاول نجل الراحل كامل الاسعد إحياءها رغم معرفته ان غالبيتها ذهبت الى "حزب الله" ليحميها من "امل" فصارت جزءاً اساسياً منه. وهناك دلائل على ذلك، ابرزها إحجام مجموعة نخبوية شيعية قبل سنة او سنتين عن تأسيس تَجمُّع معيّن بعدما سمعت موقفاً "غير ودّي" من "عالِم" ينتمي الى الحزب.
4- قد يكون صحيحاً ان انقسام المسيحيين فريقين عطّل الاثنين معاً. لكن احدهما يعمل بتنسيق تام مع حليفه "حزب الله" داخل شارعه المسيحي الذي لا يزال قوياً فيه، الامر الذي يساعد في جعل التغطية اللبنانية غير الشيعية لهذا الحزب واسعة، وفي "محاصرة" القسم الآخر المتحالف مع 14 آذار. ومن شأن ذلك تعطيله لأن 14 لا يملك القدرة العملانية على المساعدة والرد.
5 – صحيح القول ان الوضع الاقليمي – الدولي يرفض سيطرة 8 آذار، اي قائده "حزب الله" وراعيه ايران وحليفه سوريا على الوضع في لبنان. لكن غير صحيح القول انه "لا يسمح" بسيطرة كهذه. فعدم السماح يعني امتلاك القدرة. فهل المقصودون بالوضع المذكور، مثل السعودية ومصر والاردن، يملكون القدرة على عدم السماح لـ 8 آذار ومحوره الاقليمي بالسيطرة النهائية على لبنان؟ التجارب القديمة والحديثة لا تُشجِّع على اعطاء جواب ايجابي عن هذا السؤال. وآخرها طريقة تعاطي بعض هذه الدول مع سوريا اثناء محاولته "مساعدة" حلفائه اللبنانيين تلافياً لسيطرة الآخرين عليهم. واقل ما يقال في هذه الطريقة انها دفعت ولا تزال تدفع الحلفاء الى تسهيل سيطرة اخصامهم عليهم وعلى البلاد من دون اي ضمان واي مقابل. اما تركيا والدور الكبير التي ينسب اليها في حماية لبنان، وبصراحة اكبر سُنَّته، فانها قد لا تماشي ايران في كثير من سياساتها، لكنها لا تعاديها، ولا تمتنع عن التعاون معها، لأنها تنتظر لحظة "اعادة" ترتيب الاوضاع في الشرق الاوسط، و"اعادة" تحديد الأحجام لكي تحصل على الدور الكبير. فضلاً عن ان سوريا أهم عندها من لبنان. واما اميركا، التي قد يعتبر البعض نفسُه من الجهات السياسية المؤيدة لـ14 آذار، زيارةَ جيفري فيلتمان المفاجئة للبنان قبل يومين تؤكد اعتقاده بأن ميزان القوى لم يتغير، كما يقال، أما اميركا هذه فصادقة في موقفها ودعمها الذي "تلاه" فيلتمان عن بيان. لكن كيف تستطيع ترجمة صدقها؟ طبعاً ليس بالاساطيل والقوة العسكرية. بل بأمور ثلاثة: الاول، حض اللبنانيين وعملياً افرقاء 14 آذار على التضامن والعمل معا. والثاني، محاولة التأثير على عربها في المنطقة لكي يعرفوا كيف يفاوضون سوريا في لبنان، وماذا يطلبون منها، وماذا يقدمون اليها في المقابل اذا تجاوبت. اما الامر الثالث فهو تعاون اللبنانيين جميعهم.
في النهاية، لا نرمي من هذه "المطالعة" اذا جازت تسميتها كذلك، الى احباط "الحالمين" و"الرومانسيين" من فريق 14 آذار. بل الى تبصيرهم بالواقع كي يستعدوا جيداً لمواجهة اذا حصلت، او كي يضعوا مخططات بديلة تحدّ من الخسائر وتؤمّن استقراراً وتساعد على انتظار تطورات المستقبل الإقليمي وآثارها اللبنانية.