بورصة المصالحة - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
في السياسة، كما في الصحافة اللبنانية، بورصة سرية تجري فيها عمليات تداول يومية للأسهم والآراء حول واحد من أهم وأدق أسرار المرحلة: المصالحة السورية السعودية؟ وهي عمليات تتعدى أحيانا ساعات الدوام الرسمي في النهار، وتمتد حتى وقت متأخر من الليل، وتشهد تقلبات حادة ليس لها مثيل في أي من البورصات الاخرى.
ولان تلك المصالحة هي مظلة حماية ورعاية رئيسية للوضع اللبناني، يصبح التداول بأسهمها والمراهنة على ارتفاع أسعارها أو انخفاضها، ويصير البحث عن مؤشرات ثباتها أو اهتزازها، وعن التكهن بمستقبلها، شأناً مصيرياً بالنسبة الى اللبنانيين جميعا لا يمس أحوالهم المالية أو الاقتصادية، بقدر ما يحدد قرارهم اليومي بالخروج الى العمل أو بإرسال أبنائهم وبناتهم الى المدارس، أو حتى بالانتقال من منطقة الى اخرى داخل الجمهورية.
ولعل أسوأ ما في هذه البورصة السرية التي تصدر نتائجها ساعة بساعة، هو أن الأشقاء السوريين والسعوديين لا يفصحون كثيرا عن طبيعة علاقتهم الغامضة أصلا، المستندة الى سنوات سابقة من الثقة المفقودة بين بلديهما، ولا يبادرون الى إبلاغ حلفائهم اللبنانيين بتطور تلك العلاقة وتبدلها، ويتركون الجمهور اللبناني كله في حيرة من أمره.. يتداول بأسهم سياسية خطرة، ويشتبه بين الحين والآخر بأن دمشق والرياض تتعمدان الإبهام، لا لسبب إلا التسلية والترفيه الخاص!
في الايام القليلة الماضية، شهدت تلك البورصة تداولات ناشطة وتقلبات حادة: كان افتتاح الحركة في الصباح يتم بناء على تقديرات بأن المصالحة السورية السعودية التي انطلقت في قمة الكويت الاقتصادية العربية العام الماضي قد انتهت عمليا، بدليل أن دمشق شنت تلك الحملة القاسية على حلفاء الرياض اللبنانيين وتخلت عن شركاء الرياض العراقيين لمصلحة التحالف الاستراتيجي مع إيران وحلفائها في لبنان والعراق .. لكن ساعة إغلاق العمل بالبورصة، أي في ساعات منتصف الليل، كانت تعكس اتجاه أسعار الأسهم لتؤكد أن المصالحة ما زالت سارية المفعول وتشير الى أن موفدا ملكيا سعوديا وصل الى العاصمة السورية أو هو في طريقه اليها بين لحظة واخرى للتأكيد على ان ما بين البلدين عميق ومتين وراسخ، ولا يمكن أن يهزه الردح في بيروت.
وبين الافتتاح والإغلاق، كان لبنان وربما لا يزال يعيش ايضا على وقع مخاوف جدية جدا من أن حادث سير يمكن ان يتطور الى فتنة مذهبية يتورط فيها أولئك الذين لا يتابعون تلقي الاشارات الواردة من دمشق أو الرياض، أو ربما الذين يقرأون تلك الاشارات وينفذونها بدقة أكثر من أهل السياسة والصحافة.. الذين يغيب عن بالهم أحيانا أن ثمة عاملا ايرانيا حاسما في تحديد وجهة العلاقات السورية السعودية، وفي الغموض غير البناء الذي يكتنفها، ويجعل السوريين والسعوديين والايرانيين أنفسهم مرتبكين إزاءها، تتنازعهم الشكوك والاسئلة والأسهم ذاتها، التي يتداولها اللبنانيون هذه الأيام في بورصتهم الغريبة.
وهذا فقط ما يعزي اللبنانيين: ما يدور الآن بين دمشق والرياض وطهران، يوحي بأن تقلبات البورصة اللبنانية ليست ناجمة فقط عن هوس أو مرض أو خلل لبناني ما. ثمة صراع خفي أكبر من طاقة لبنان على الفهم والادراك والاحتمال!