إما الاستقرار وإما القرار الظني - عبد الوهاب بدرخان (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
في النهاية، سيبقى في الأذهان ان التهويل فعل فعله، فكان التحرك العربي السريع للتهدئة والشروع في إيجاد "حلول". ووفقاً لهذا المنطق، ليس في مصلحة المهوّلين ان يخفضوا الصوت او يتخلّوا عن التوتير والتصعيد، إلا بعد تأكدهم من نيل ما سعوا اليه. وبالتالي، لن تتوقف الحملة على قرار ظني لم يصدر، وعلى محكمة دولية لم تباشر عملها بعد. لا بد من اغراقهما في لجة الاحتقان الذي تعيشه المنطقة. ولتذهب "الحقيقة" الى الجحيم، فهي على أي حال حقيقة مرّة وغير مستحبة.
لم ترد أي اشارة الى المحكمة او القرار الظني ولا في أي من التصريحات والبيانات، لا بعد القمة الثنائية في دمشق، ولا بعد القمة الثلاثية في بعبدا. مع أن المسكوت عنه هو محور المشكلة في خلفية هذه التظاهرة "السين – سينية" غير المسبوقة. هذا لا يقلل شأن المبادئ التي أعلنت: التزام عدم اللجوء الى العنف، تغليب المصلحة العليا للبنان على أي مصلحة فئوية، الاحتكام الى الشرعية والمؤسسات الدستورية والى حكومة الوحدة الوطنية لحل الخلافات، تعزيز الوفاق الوطني والاستقرار الداخلي، تحسين فرص النمو الاقتصادي والاجتماعي، التضامن مع لبنان في مواجهة تهديدات إسرائيل وخروقاتها اليومية لسيادته واستقلاله وسعيها الى زعزعة استقراره...
كل ذلك يحدّد معالم خريطة طريق الى وضع تضامني وفاقي مسؤول، لكنه يبدو أقرب الى لائحة تمنيات منه الى برنامج سياسي يغلّب الممكن على سلبية المستحيل. لعل أفضل ما يسجل للتفاهمات السعودية – السورية ارتكازها الى رفع شأن الدولة وضمان التهدئة والاستقرار. واذا افترضنا ان المجتمع السياسي اللبناني منقسم بين "حلفاء السعودية" و"حلفاء سوريا" فان سلوك هؤلاء واؤلئك لا يلتقي على احترام "التفاهمات" باعتبارها عنواناً لـ"المصلحة العليا" للبلد. لا مبالغة في أن "حلفاء السعودية" قطعوا شوطاً كبيراً في التكيف مع التفاهمات لأنهم أصلاً لا مشكلة لديهم مع مرجعية الدولة او مع تثبيت الاستقرار. لكن في المقابل، هناك مشكلة لدى "حلفاء سوريا" في احترام تلك التفاهمات، لذا يستغلون الغموض الذي لا يزال يكتنف "العلاقة من دولة الى دولة" بين لبنان وسوريا، ويتبرعون بالاستمرار على الادوار نفسها لتصفية كل ما أمكن تحقيقه خلال الاعوام الخمسة الماضية ويعتبر رصيداً للفريق الآخر. لكن طموحات "حلفاء سوريا" تتناقض عملياً مع تفاهماتها مع السعودية، لأن هؤلاء الحلفاء يستقوون بسوريا على الدولة ولا يبالون بالاستقرار او بالوفاق، الى حدّ أنهم يضفون التباساً وشكوكاً على الأجندة السورية "الجديدة" في لبنان. وطالما ان جديدها لم يتضح بعد فإن "الحلفاء" يواصلون جذبها الى النمط السابق.
الهوة الفاصلة بين طموحات التفاهم السعودي – السوري وبين الواقع على الارض يفترض ان تردمها الدولة، لكنها موجودة وغير موجودة، ينبغي تأسيسها، أو على الأقل بعثها من الرماد الذي ووريت فيه منذ فترة الميليشيات ثم عهد نظام الوصاية ثم العهد المزدوج حالياً.
وغياب الدولة يعني ادامة الوضع الشاذ الذي بات يصعب على أي "تفاهمات" خارجية ان تصلحه. وعندما يكون هناك فريق واحد قادر على فرض ارادته على اللبنانيين، فهذا لا يعني سوى انه قد غدا فوق الدولة وفوق القوانين وفوق الوفاق والاستقرار، وحدهم المتجاوزون على الشرعية والمؤسسات الدستورية يعرفون أين هي الدولة اليوم. إنها في جيبهم، وتحت رحمتهم.
في ظل هذا الواقع المعطوب، لم تعد المسألة محكمة دولية او قراراً ظنياً، إنها في سعي اطراف خارجية وداخلية، متضامنة متكافلة، وبكامل الوعي والادراك، الى منع تأسيس أي شيء يمكن ان يعزز الدولة مفهوماً وبنية ووظيفة. المحكمة كانت فكرة ورهاناً، أبعد من جريمة الاغتيال في حد ذاتها، دفع الكثير من الدم في سبيلهما، وكان الأمل احقاق الحق وإعادة الاعتبار الى الاحتكام للقانون. هذه المحكمة تبدو اليوم فريسة تتقاذفها السيناريوات، بين من يعد العدّة لتفكيكها قطعة قطعة، ومن يريد استخدامها سياسياً لاشعال فتنة في لبنان حتى غدا الخيار محسوماً: إما الاستقرار وإما القرار الظني.
بين اتهام "حزب الله" المحكمة بأنها مشروع اسرائيلي، وبين التسريبات الاسرائيلية الموقوتة، بات السباق محموماً، بل متفجراً. ولا أحد يريد الدفاع عن المحكمة، لا الأمم المتحدة، ولا الولايات المتحدة ولا فرنسا، ولا حتى قضاتها ومحققوها. إنها متروكة في سوق المتاجرين والفاجرين الذين سبق وتنبأوا بأن "الحقيقة" لن تظهر أبداً. في واشنطن، كما في باريس ولندن، قد يقولون جدياً انهم يدعمون قيام المحكمة بعملها وصولاً الى الاتهامات والمحاكمات، لكنهم وبالجدية ذاتها لا يمانعون استغلال التحقيق ونتائجه، سواء اقدمت عليه اسرائيل أو سواها. ذاك ان اتهام "حزب الله" هو في نظرهم اتهام لايران. إذاً، فهناك مصلحة واضحة للدول الغربية واسرائيل في المحكمة، سواء تلاعبت بالمعطيات التي توفرها لها او استبقت مضمون القرار الظني. وما يريده الاميركيون والاسرائيليون من التحقيق حصلوا عليه منذ زمن، بل لعلهم ساوموا عليه، ولا يزالون مستعدين لمساومات أخرى: فلو طرح تأجيل القرار الظني او وقفه او الغاؤه، لما ظهرت اي ممانعة خصوصاً اذا كان الثمن المقابل واضحاً وملموساً وملائماً.
من هنا، ان التسوية، أو "المخرج" لن يكون على البساطة التي يحكى بها في كواليس بيروت. فلا أحد يتصوّر الولايات المتحدة مستحثة دول مجلس الأمن من أجل تجميد دائم او موقت لعمل المحكمة لمجرد ان هناك مخاوف على الوضع في لبنان، وقد سبق ان برهنت انها في "ساعات الضيق" ليس لها اي صديق. واذا طلب ذلك من الدول الكبرى "تطميناً لسوريا" او "دعماً لدورها في صون الاستقرار في لبنان" فلن يهتم احد اذا لم يكن هناك ثمن سياسي لــ"انقاذ ايران وحزب الله". اما التهديدات بالتأزيم الداخلي فتبدو مرحباً بها على الأرجح، سواء في واشنطن أو في اسرائيل، لأن حزب الله سيتورط عندئذ في وضع سيتفجر بين يديه.