نزاع رحباني - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
حصر الإرث مشقة. والنزاع عليه مهانة. هي سيرة عائلية موروثة منذ فجر التاريخ، ومستمرة حتى زوال التاريخ. العائلة الرحبانية ليست استثناء، إلا في كونها إرثا عاما، لا يجوز للأبناء تقاسمه سوى بتدخل عام، يحد من حجم الفضيحة ويقلص من آثارها.
يكاد النزاع الرحباني يتحول الى قضية وطنية وقومية، ويعبر عن خلل عميق في المحافظة على الإرث وفي صونه من تعديات الآخرين، وفي تكريسه في مرتبة أعلى من أي قيمة مادية، مالية، وفي إخراجه من أي أفق قضائي.. على صعوبة مثل هذا الخيار الذي لم تنجح في اعتماده أي عائلة تنازعت على ما تركه الآباء، سواء في الغرف المغلقة او قاعات المحاكم.
هو إرث، اي انه بالتعريف إقرار ضمني بأن نتاج العائلة الفني قد انتهى، بعدما تخلت الموهبة عن الورثة الشرعيين، ولم يعد لديها ما تقدمه سوى استعادة التركة الفنية الفذة، وتكرارها في مناسبات متكررة يحكمها الحس التجاري البحت وغير الدقيق بأن لدى الجمهور حنينا الى تلك الأمجاد الغابرة، التي لم يستطع ولن يستطيع الأبناء إكمالها، فكيف بتطويرها، خصوصا إذا كانوا يصرفون وقتهم وجهدهم ومالهم في المطالبة بحقوقهم الشرعية، التي لا يمكن لأي سلطة قضائية دينية أو مدنية أن تحسمها من دون أن تتسبب بأذى إضافي للعائلة كلها.
لم يعد من السهل إقناع الأبناء بأن نزاعهم معيب وضار بحقهم جميعا. ثمة حاجة الى «تدخل خارجي»، يوقف هذه المؤامرة على إرث وطني وقومي خالد، لكي لا يصبح الاحتكام الى الشوارع وسيلة لتصفية المزيد من الحسابات، ولكي لا تشهد بيروت يوما ما تضارباً بالأيدي او بالميكروفونات او بأشرطة السي دي او حتى بالصور، بين جمهورين متحمسين يصرخان في وجه بعضهما البعض، ولا يفصل بينهما سوى.. شارع!
و«التدخل الخارجي» سواء كان من إحدى السلطات الأربع او ربما من سلطة من وراء الحدود، ليس مضمون النجاح، لكنه على الاقل سبيل لوقف هذه الإساءة المتمادية للإرث الذي يشعر كل لبناني وعربي أن له فيه حقا لا يمكن ان يتنازل عنه، ولا يمكن ان يظل محايدا او لا مبال إزاءه.. مهما جار الابناء ولطخوا سمعة آبائهم، ومهما راهنوا على ان الزمن كفيل بأن ينهي تلك الحساسية الشديدة التي لا يزال الجمهور اللبناني والعربي يتعامل بها مع هذه القضية المادية المحرجة فعلا.
الحماقة حصلت، والفضيحة كبرت. العائلة نفسها تنتهك المحرمات.. وأهمها المس باسم فيروز وصوتها الذي أكسب الإرث الرحباني مداه وخلوده، والذي لا يمكن لأي نص قانوني أن يتسامح مع التجريح به، كما لا يمكن لأي جمهور أن يتعاطف مع الإساءة إليه، مهما ضاقت مساحات التكرار والإعادة ومهما ندرت الحفلات الرحبانية التي تقتصر على الحنين وحده.
المعركة خاسرة للجميع، للعائلة وللجمهور. الخروج منها بأي شكل من الأشكال مطلب وطني وقومي، حتى ولو اقتضى الامر استدعاء القضاء والسياسة وحتى الأمن. المهم أن يظل الإرث مصونا من عبث الأبناء.