الحرية والتسامح .. بين ثورة عبد الناصر وثورة مانديلا - عبد الحميد الأحدب (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
"وطني حبيبي، الوطن الأكبر، يوم ورا يوم أمجاده بتكتر، وانتصاراته مَالْيَه حياته، وطني بيكبر وبيتعمر، وطني، وطني..." اغنية عبد الحليم حافظ في عيد ثورة عبد الناصر، غناها المطرب المغربي عبدو شريف الأسبوع الماضي في بيت الدين، وكان الناس بالألوف يرددون الكلمات واللحن معه ويتمايلون ويحنّون الى ايام زمان، الى ايام ثورة عبد الناصر...
هل كانت ثورة عبد الناصر التي رفعت شعارات الوطن العربي الكبير هي ثورة مثل ثورات الحرية والعدل وحقوق الانسان؟ كما الثورة الفرنسية او الثورة الروسية او الثورة الانكليزية، وهي ثورات تخللتها حمامات دم، ولكنها زرعت اصلاحات وحرية وعدلاً اجتماعياً وحقوقاً للإنسان عادت فنبتت بعد ذلك حريات وحقوقاً تتمتع بها فرنسا وانكلترا اليوم ولم يحن بعد وقت تمتع روسيا بها.
توفيق الحكيم الذي كان اقرب المفكرين الى قلب عبد الناصر، كتب "في طريق عودة الوعي" يروي انه ارسل الى عبد الناصر عام 1969 رسالة بعد تعيين محمد حسنين هيكل وزيراً ونقله كما يقول توفيق الحكيم "... من مجال القلم الى كرسي السلطة"، ويضيف توفيق الحكيم "اردت انا ان اجعل من هذه المناسبة وسيلة لإفهام الرئيس عبد الناصر ان البلاد وهي تعاني ازمة نفسية شديدة بعد هزيمة 1967 اصبحت لا تصدق ما يصدر من الجهات الحكومية لأن ازمتنا ازمة ثقة...".
وكانت النتيجة ان الرسالة وصلت الى عبد الناصر، فأحالها الى المخابرات التي اشتبهت بأن يكون وراء هذا الكتاب "الودي" مؤامرة من سكرتيرة محمد حسنين هيكل نوال المحلاوي وزوجها عطية البنداري والمفكر والمثقف والكاتب المصري مصطفى الخولي لتحريض توفيق الحكيم على الكتابة.
ويقول توفيق الحكيم عن الوضع الناشئ عن رسالته انه "الدلالة على حقيقة الحكم البوليسي المسيطر على البلاد، واذا كان كل الضيق والتضييق لمجرد رسالة شخصية ودية مهذبة الى الرئيس عبد الناصر، حاولت ان اجعلها في طي الكتمان على قدر الإمكان، حتى تؤدي الغرض منها...". ويضيف:
"وضعت هذه الرسالة الشخصية الأمينة الناصحة موضع هذه التحقيقات وما أدت اليه من سجن الذين ضبط عندهم شريط التسجيل الذي سجلت به هذه الأحاديث والمناقشات حول هذه الرسالة. حتى السيدات وضعن في السجن مع أزواجهن. فقد سجنت نوال المحلاوي سكرتيرة محمد حسنين هيكل وزوجها عطية البنداري كما سجن لطفي الخولي مع زوجته. ودام سجنهم جميعاً اكثر من ستة شهور من دون محاكمة. ولولا الحياء على الأقل لكبر سني وحسن نيتي لكنت قد وضعت معهم جميعاً في السجن".
من خلال "في طريق عودة الوعي" يفهم لماذا كان الضباط الأحرار رفاق عبد الناصر كلهم قيد الاقامة الجبرية خلال الثورة المصرية ما عدا عبد الحكيم عامر، ولماذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟ فإذا كان هذا مصير الذين اشتبه بأنهم اقترحوا رسالة ودية من توفيق الحكيم الى عبد الناصر وبينهم سيدة هي سكرتيرة محمد حسنين هيكل وهو جالس الى جانب عبد الناصر في السلطة فماذا كان مصير الذين عارضوا او اختلفوا في الرأي وليسوا قريبين من هيكل؟
وكان محمد حسنين هيكل يكتب عن الحرية والدفاع عن العروبة، في الوقت الذي كانت فيه سكرتيرته نوال المحلاوي وهي من سيدات المجتمع المصري في السجن للاشتباه بأنها كانت وراء فكرة رسالة "ودية" من توفيق الحكيم الى عبد الناصر. ونفهم قول لويس عوض في "اقنعة الناصرية السبعة": "لهذا ترك عبد الناصر شعبه بعد ثمانية عشر عاماً من قيادته كما تسلمه من فاروق: نسبة الأميين فيه 75%. متوسط الدخل القومي فيه نحو 50 جنيهاً سنوياً للفرد الواحد ومتوسط الأمراض فيه نحو ثلاثة امراض للفرد الواحد. ولهذا أمكن ضربه ولهذا يجري الآن ضرب ثورته على قدم وساق. البورجوازية تقول فيه: هذا كان ابناً عاقاً من ابناء طبقتنا. والبروليتاريا تقول فيه: هذا ليس ابناً من ابنائنا ولكنه كان يحسن الحديث الى الفقراء".
اليوم، في ذكرى ثورة عبد الناصر سنة 1952 التي مر عليها ثمانية وخمسون عاماً، نتساءل لماذا فشلت الثورة الى هذا الحد، وافضت الى عكس نتائجها في العالم العربي وفي مصر؟ بينما العالم العربي ومصر اعطيا ثورة عبد الناصر اكثر مما اعطت كل شعوب العالم ثوراتها.
في 18 تموز 2010 قرأت في جريدة "النهار" مقالاً للأخضر الابراهيمي وغسان سلامة موضوعه "نحن ابناء الضاد... ونلسون مانديلا" وفيه نقرأ:
"كان يمكن ان تكتب كلماتنا هذه بلغات الارض كلها حيث يصعب ان ينافس انسان حي نلسون مانديلا في مدى وعمق سلطته المعنوية، وهيبته الاخلاقية، هو الذي امضى 67 عاما يناضل في سبيل المساواة بين الأعراق والأديان والشعوب واساساً بين البشر، وهو الذي بقي 27 عاما في المعتقل بعضها في السجن الانفرادي والعزلة المطلقة، والبعض الآخر في الاعمال الشاقة، وما تبقى منها في جزيرة "أوين آيلند" المرعبة، وكلها في مواجهة يومية مع انواع التعذيب والاهانة، ليخرج من الزنزانة شيخاً جليلاً وقوراً مكللاً بالبياض، يدعو بهدوء والحاح للمصالحة بين كل ابناء جنوب افريقيا، مثيراً التعجب، بل الاستياء بين اصحاب لون بشرته ورفاقه في النضال المرير ضد التفرقة العنصرية، والدهشة بين افراد الاقلية البيضاء التي مارست تلك التفرقة بالعنف الذي نعرف والتي عزلته ما يقرب من ثلاثة عقود في السجن".
ثم يضيف الكاتبان اللذان هما من ألمع الشخصيات العربية التي لم تتأثر بأوبئة فساد النظام العربي الاستبدادي السائد:
"وان نحن نظرنا اليوم في أحوال جنوب افريقيا، لبدا لنا بوضوح ان مشاكل هذا البلد الكبير لم تحل جميعاً، بل ان بعضها قد تفاقم أخيراً، ولكنه يصعب على أي مراقب أن ينفي أن موقف مانديلا التاريخي قد وفّر على ذاك البلد حرباً أهلية شاملة كانت ستدمّره وتمزّقه بالكامل. كما ان موقفه الشجاع، بعد ترؤسه بلاده لولاية واحدة (بينما عموم سكان البلد كانوا يريدونه رئيساً، ولو لولاية ثانية كان الدستور يسمح له بها) شكّل نموذجاً فريداً لرجل يبتعد عن المنصب الاول بكامل رضاه، ورغم إلحاح شامل من أبناء بلده في عصر يتعدد فيه "الرؤساء مدى الحياة"، وتوريث الابناء والاحفاد بعد الآباء والاجداد."
الى اي حضيض اكثر من هذا الحضيض الذي يتخبط فيه العالم العربي. الى اي حضيض اكثر يمكن ان ينزل العالم العربي، وكلما قلنا اننا "تحت" وجدنا ان تحتنا "تحتاً" آخر!
لو اتبعت ثورة عبد الناصر طريق نلسون مانديلا لما كان العالم العربي في الحالة التي هو عليها، لما كان العرب يطالبون اسرائيل بالصلح والسلام وهي ترفض وتهدم منازل الفلسطينيين على رؤوسهم!
لما كانت العلاقة بين الجزائر ومصر اسوأ مما هي بينهما وبين اسرائيل بسبب مباراة رياضية في كرة القدم!
لما كان العراق في حمام الدم الذي يتخبط فيه... ولما كانت اليمن في حرب اهلية!
ولما كان السودان ذاهب الى التقسيم بين الشمال والجنوب، والمذابح في دارفور يضج بها العالم!
لما كان كل الرؤساء في الجمهوريات الثورية يورثون اولادهم السلطة من بعدهم.
لما قتل الإمام موسى الصدر في ليبيا!
لما اقفلت مصر حدودها مع غزة!
لما سقطت القومية العربية لتحل محلها "الانتحارية الاسلامية" والسلفية، ولما صار بن لادن زعيم العرب والمسلمين! كما حصل في الماضي ايام "الحشاشين"!
لما صارت السياسة العربية في محوري تركيا او ايران!
لما صارت الشعوب اللبنانية كناية عن مجموعة جاليات، ايرانية وسعودية سورية و... و... وغادر الناس لبنان ليرحلوا الى طوائفهم!
صار بالإمكان اليوم ان يقال لكل طائفة من الطوائف اللبنانية المتناحرة، هذه "بالمال النظيف" وتلك "بالمال السياسي" ان يقال لكل طائفة: اهلاً بكم في وطنكم الثاني لبنان. كما كان الرئيس شارل حلو يقول لمرافقيه من الصحافيين في سفراته.
لو لم تفشل ثورة عبد الناصر الى هذا الحد لما قال ياسر عرفات انه حكم لبنان خمسة عشر عاماً، ولما انقلب كل الزعماء السياسيين من الضد الى الضد وليس هناك لا حسيب ولا رقيب، فالقيم الخلقية كما القيم الوطنية انهارت الى الحضيض!
كان منديلا يقول: ان الحرب تتم بالنضال حتى المسلح منه اما الخروج من حال الحرب فلا يتم الا بالتفاوض والتسامح".
عالم عربي يحارب بالتسامح... ويفاوض بتمثيليات "النضال المسلح".
ثمانية وخمسون عاماً على ثورة عبد الناصر، ثورة الأمل التي قضت على كل الآمال، وجعلت الناس ضد الدستور وضد الحرية، فقد سارت التظاهرات في اول ثورة عبد الناصر وعند خلافه مع محمد نجيب تنادي "لا حرية ولا دستور" وصارت الحرية من عملاء الاستعمار والصهيونية! ليست عجيبة هي حالة العالم العربي الذي يعادي الحرية والتسامح في ثقافته الى هذا الحد؟