انتحار الحصار - سمير عطالله (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
بعد يومين من الاعتداء على "أسطول الحرية" في أعالي البحار، أقدم سائق القاصد الرسولي في تركيا على قتله طعناً. وقالت الراهبة، مساعدة الحَبر، إن السائق المتنصّر منذ فترة، أصيب قبل أسبوعين بعارض نفسي. أي أن لا علاقة بين مقتل الأتراك على السفينة "مافي مرمرة" (مرمرة الزرقاء) واغتيال المطران في الاسكندرون.
هذا تبسيط واضح في حالة فردية لمناخ عام يسيطر على تركيا منذ عقود، وليس فقط منذ وصول الإسلاميين إلى السلطة في جمهورية أتاتورك.
يدفع المسيحيون في تركيا وفي العراق ثمن العداء المتصاعد للسياسة الأميركية وأعمال إسرائيل. وتلك السياسة هي التي نقلت تركيا من دول الوسط والاعتدال الى بلد ينتج الأفلام التي تصوّر الأميركيين قتلة مهووسين في العراق، وتجاراً للأعضاء البشرية. وتواجه أميركا في العالم الإسلامي عدواً إعلامياً أكثر تنظيماً وهجومية من الإعلام السوفياتي أيام الحرب الباردة.
كان هناك من يقول إن "حماس" ولدت من الجنازات التي كانت تخرج كل يوم على شاشات التلفزيون. وبدا المشهد مشابهاً في جنازة الناشطين الأتراك في اسطنبول، التي خرجت تودع العلاقة الخاصة بين تركيا وإسرائيل، ولم تكن الأكفان الملفوفة بالعلم التركي أكثر من ذريعة تنتظر موعدها. فمنذ وصول الإسلاميين عبر صناديق الاقتراع، بدا واضحاً أن تركيا تغيّرت، وأن موقعها في الغرب سوف ينقلب. وعندما فاز الإسلامي نجم الدين أربكان المرة الأولى، قبل عقدين، كتبت "أربكان يربك أتاتورك"، فعلّق مفكّر عربي بالقول "لقد بكّرت كثيراً". فأجبت "أنت تبطئ طويلاً".
مارس إسلاميو تركيا سياسة التخفّي، أو الاتّقاء، في مواجهة العسكريين الأتاتوركيين الأقوياء، كان أربكان يضع ربطة عنق حمراء، بدل أن يطلق لحيته. وتحجبت النساء فيما بقي الرجال في الزيّ الأوروبي الذي فرضه أتاتورك. ليس فقط تحسباً لانقلاب أو انقضاض يقوم به العسكريون، بل أيضاً لأن الحزب يضع عينه على الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي، وهو لا يريد أن يثير مخاوفها ولا إحياء هواجس الإمبراطورية التي بلغت الدانوب.
كانت تركيا الأتاتوركية قاعدة أميركية متقدمة. وعندما قامت المواجهة بين واشنطن وموسكو في أزمة الصواريخ الكوبية، 1962، طالب نيكيتا خروشوف، في مقابل خفض أسلحته في هافانا، أن يخفض جون ف. كينيدي أسلحته في تركيا، المصوّبة كلها نحو الجار السوفياتي. ولكن عندما هاجم جورج بوش العراق 2003 منعته حكومة أردوغان من استخدام قاعدة ديار بكر الجوية، التي استخدمها والده في حرب الكويت، 1991.
كان المنع إعلاناً عن مفترق جديد في العلاقة التركية – الأميركية، وكان واضحاً ومتوقعاً أن التأثير سوف يمتد إلى العلاقة التركية – الإسرائيلية، فالعداء، أو التجاهل الذي مارسته تركيا حيال العرب زمن جمال عبد الناصر وحلف بغداد وحلف السنتو، لم يعد ممكناً عندما أدارت وجهها، بدل ظهرها، من جديد نحو العالم العربي. وقد تذكرت أنقرة أن مصالحها الكبرى هي في عالمها القديم، لا في العالم الجديد، الذي تطلبه. وبعدما سوّت المسألة مع أكراد العراق، وانتقلت علاقتها معهم من القصف اليومي إلى زيارة يقوم بها لأنقرة مسعود بارازاني الأسبوع الماضي، بدا كأن باب العودة إلى المنطقة قد فتح تماماً، على ما قال ألفرد دو موسيه: الباب، إما يغلق وإما يفتح.
للمرة الأولى أيضاً، ربما عبر التاريخ، قامت علاقة جيدة بين تركيا وإيران، آيتها نحو 20 مليار دولار من التبادل التجاري سنوياً. وأنهى الرئيس بشار الأسد عقوداً من العداء التاريخي مع الأتراك ليقيم عوض ذلك علاقة تفاضلية على كل المستويات.
في المقابل كانت العلاقة بين تركيا وأميركا وإسرائيل تزداد فتوراً بكل وضوح. وتركت حكومة أردوغان المظاهر العدائية للدولتين تنمو في الشارع. وعندما سأل مراسل "وول ستريت جورنال" رئيس وزراء تركيا عام 2006 إن كان يصدّق فعلاً أن الأميركيين يتاجرون بأعضاء العراقيين، كما تقول صحيفة الإسلاميين، أجاب: "أنت تعرف أن بعض الناس يفعلون ذلك".
الهجوم الإسرائيلي على "مافي مرمرة" كان ضربة غباوة أخرى، ظنّ الإسرائيليون أنهم يقاتلون "حماس"، فاكتشفوا أنهم فتحوا جبهة مع تركيا، التي كانت إلى الأمس تشاركهم في المناورات العسكرية. واختصر أحد معلّقي "معاريف" الغباوة الحكومية بالقول "لا يكفي أن تكون على حق. يجب أن تكون ذكياً أيضاً". فقد حمل الهجوم رئيس الوزراء التركي على القول أمام مجلس النواب، إن إسرائيل "مرجل يبث الحقد والعداء في الشرق الأوسط"، فيما شبّه وزير خارجيته أحمد داود أوغلو الاعتداء، بالهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، 2001.
حلّت السياسات الأميركية في المنطقة، بسبب التلازم مع إسرائيل، وحروب العراق وأفغانستان، مكان الشعور الذي لازم العرب والمسلمين زمن الاستعمارين البريطاني والفرنسي. وأدى الدعم المطلق لإسرائيل إلى إضعاف نزعة الاعتدال. وقد ضعفت السلطة الفلسطينية بوضوح أمام القوة المتنامية لـ"حماس"، وكان الاعتداء الأخير ضربة أخرى لـ"فتح" والقابلين بمبدأ السلام.
جميع حركات التطرّف ولدت من اليأس من العثور على حل للقضية الفلسطينية. حتى العمل الفلسطيني نفسه كان قبل 1967 سياسياً ثم تحوّل إلى "كفاح مسلّح"، وصار إلى إيديولوجية "حماس"، التي خلافاً لـ"فتح" تنادي بعودة فلسطين من البحر إلى النهر، بعدما قبلت "فتح بما عرض في اتفاقات أوسلو، وتحاصر إسرائيل غزة فيما تنشر نصف مليون مستوطن في الضفة الغربية وتلغي ما بقي من معالم عربية في القدس الشرقية. وإلى حين الاعتداء على "أسطول الحرية" لم يكن العالم يلتفت إلى أن شعباً يعيش فوق أرضه محاصراً، يختنق من أجل الحصول على الدواء أو الغذاء. وتشكل غزة: أولاً وأخيراً، نموذجاً للبؤس البشري بكل أشكاله وصروفه. ولا يمكن أي عقل أن يتخيّل أنه من تجمع البؤس هذا سوف يخرج أناس معتدلون ومفاوضون. فلماذا يعتدلون؟ وعلى ماذا يفاوضون؟
إذا كان من "فائدة" لمجزرة "مافي مرمرة"، فهي أنها طرحت على عالم غافٍ قضية الحصار نفسه لا مسألة وصول بضع سفن محملة بالأدوية. فالقطاع واقع بين طاغ إسرائيلي، ومصري يخشى أن تقدم إسرائيل على "إعادة" غزة إليه، بكل مآسيها البشرية وكل علاقاتها العضوية بـ"الإخوان المسلمين" أو الحركات المتفرعة الأخرى. وواضح أن القاهرة تحاول أن تتجنب التيارات المتنامية، فيما تخشى أن تبدو أيضاً كأنها خارج السرب العربي، بسبب الاتفاقات التي تلزمها العلاقة مع أميركا والبنود مع إسرائيل.
وبدورها تخشى السلطة أن يطرح الحل، في ضوء المستجدات، من باب غزة بدل بوابة رام الله. والسياسة الأميركية هي التي تؤدي حتى الآن إلى إضعاف موقع السلطة، على رغم التعجيل في مهمة جورج ميتشل. لم يعد هناك وقت كثير أمام الولايات المتحدة التي سوف تغادر العراق في شهر آب المقبل وهي عاجزة حتى الآن عن إقامة حكومة هناك. وها هو وضعها يسوء كثيراً في تركيا. والمسألة النووية الإيرانية بلا حلول مرئية. و"الشرق الأوسط الجديد" الذي تحدث عنه كولن باول وحلمت به إدارة بوش الكارثية، يبدو اليوم أسوأ من الشرق الأوسط القديم وأكثر تعقيداً ويأساً. ولم يكن يخطر لواشنطن يوما أن تركيا يمكن أن تتحول الى كابوس إسلامي إضافي. لكن هذا ما بدا في تظاهرة اسطنبول يوم الجمعة الماضي. ثمة حدود لما تستطيع أميركا أن تتحمل بسبب سياسات إسرائيل المصرّة على إعادة نتنياهو إلى الحكم. هذه المرة إلى جانبه ليبرمان.