Skip to content
Democratic Renewal Movement

مشكلة في إدارة البيئة - حبيب معلوف (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

إدارة البيئة مسؤولية كبيرة، حتى لو لم ينتبه اليها احد. ادارة البيئة خطرة جدا، حتى لو لم يحسب لها حساب ولا اهتم احد بمحاسبة من يديرها. ادارة البيئة علم وتخصص وفلسفة حتى لو لم يكن هناك اختصاص وشهادات للفلسفة البيئية وللإدارة ووضع الاستراتيجيات. ادارة البيئة يفترض ان تكون فوق كل اعتبار طائفي او مناطقي اقلوي او اكثري حزبي او غير حزبي... حتى لو كانت الوظائف في الفئة الاولى عندنا مقسمة على اساس طائفي ومذهبي. ادارة البيئة هي مسؤولية وزارة محددة مهامها بقانون بشكل رئيسي، حتى لو كانت قضايا البيئة متقاطعة مع كل الوزارات والادارات والقطاعات. ادارة البيئة مسؤولية خطرة على المديين القريب والبعيد، ولذلك يفترض وضعها دائما تحت المجهر والمساءلة والمحاسبة، لانها مؤتمنة على سلامة الموارد وديمومتها، ولان أي خلل او ضعف او سوء تقدير أو فساد فيها... يضرب «مقومات الحياة» نفسها.
في السنوات الماضية، كتبنا عشرات المقالات والتحقيقات عن سوء الادارة في وزارة البيئة كاشفين عن الاخطاء والارتكابات... مع دعوات متتالية للمراجعة والمحاسبة.... الا ان الظروف والاحداث غطت على كل شيء، بما في ذلك على الادارة الفاشلة للبيئة. الآن يبدو ان شيئا يتغير، لا تسير الامور على ما يرام في وزارة البيئة، الوزارة المنوط بها وضع الاستراتيجيات ومشاريع القوانين والسياسات والخطط واتخاذ القرارات لحماية البيئة. فبعد ان كان المدير العام للبيئة منذ ما يقارب العشر سنوات، هو الآمر الناهي في هذه الوزارة، وهو الثابت، بينما الوزراء متغيرون، وهو «العالم» بينما الوزارء المتعاقبون غير ملمين، مما دفع ببعضهم الى تكليفه ببعض صلاحياتهم... أصدر الوزير الجديد محمد رحال تعميما ألغى بموجبه هذا التفويض ولا سيما التوقيع على المشاريع الدولية، كمؤشر على سوء العلاقة وعلى تنبه الوزير الجديد للاخطاء السابقة.
وبالأمس طلب وزير البيئة من المدير العام برج هتجيان أخذ اجازة لمدة عشرين يوما، بعد مرور اكثر من شهر سيطرت فيها حالة من التوتر والشكاوى وعدم الانسجام وحصل فيها شد حبال وتجازب و«شقلبة» لاوضاع الموظفين في الوزارة وتغيير في المواقع... الخ. وقد فسر هذا الاجراء كنوع من اعطاء المدير «فرصة اخيرة» لكي يراجع نفسه، قبل ان يرفع الوزير «قضيته» الى مجلس الوزراء.
امتعاض الوزير ظهر للمرة الاولى الى العلن اثر زيارة ممثل الاتحاد الاوروبي في لبنان باتريك لوران الذي كشف للوزير ان قلة المساعدات من الاتحاد الاوروبي لوزارة البيئة هي بسبب سوء العلاقة مع المدير العام. وقد ترافقت هذه الشكوى مع شكاوى مماثلة من سفراء بعض الدول الغربية ومشاريع دولية تابعة للامم المتحدة أو وكالات تابعة لبعض الدول، كما تقول مصادر متابعة في وزارة البيئة.
كتب الكثير عن تجاوزات المدير العام لوزارة البيئة برج هتجيان في ملفات كثيرة. كتب الكثير عن التقصير وسوء الادارة والتقدير، عن تحويل الوزارة الى جمعية وعن «الفساد في البيئة» وعن مسايرة القوى السياسية في أكثر من ملف، على حساب البيئة، عبر تغيير المخططات والمعايير الفنية والتراخي في تطبيق القوانين والانحياز لمستثمرين ... كتب عن مزاجيته واستنسابيته في التعامل مع الملفات والموظفين...الخ إلا ان علاقته مع المؤسسات الدولية لم ترصد من باب النقد على قاعدة ان للدول والمشاريع الدولية اجندتها وليس بالضرورة ان تكون متقاطعة مع الاجندة والاولويات الوطنية. ولكن هل كان لوزارة البيئة ولمديرها الدائم استراتيجية وبرنامج واجندة بيئية وطنية؟ لا بالطبع وهذه بين المآخذ الرئيسية التاريخية على وزارة البيئة.
لا يفترض بحسب اعتقادنا أن تكون سوء العلاقة مع المؤسسات المانحة والدولية سببا لنقد المدير العام. فمعظم هذه المشاريع لم تكن مفيدة أصلا وكانت فعلا تحتاج إلى المراجعة والنقد والتصحيح. ولكن المآخذ الرئيسية على الإدارة البيئية منذ أكثر من عشر سنوات أنها إدارة غير استراتيجية أولا، وأنها تورطت في تجاوزات يمكن تصنيفها بالخطرة. بعض هذه الارتكابات تم تناولها في القرار الصادر عن هيئة التفتيش المركزي حامل الرقم ١٦٦/٢٠٠٨ أدبت فيه المدير العام لوزراة البيئة برج هتجيان بتأخير تدرجه لمدة شهر واحد... بعد ما يقارب الثلاث سنوات من تحرك التفتيش، بالرغم من ان الحديث عن الارتكابات والمخالفات في وزارة البيئة في الإعلام، وفي «السفير» تحديدا، كان قد تناول عشرات المواضيع ـ المخالفات!
تناول التقرير(راجع «السفير» في 8/12/2008) مخالفات ادارية في أربع ملفات فقط، هي قضية إدارة التلوث النفطي، وقضية الكفالات المصرفية لرخص المقالع والكسارات والمختبر المركزي الذي أهمله المدير العام، وقضية التسامح مع شركات الترابة وتغيير المعايير والمواصفات والنسب الخاصة بانبعاثات معاملها! وهي ارتكابات، ولا سيما الأخيرة، تصنف في خانة الخطرة جدا، كون اقتراح المدير العام تغيير المواصفات والنسب للحد من تلوث الهواء والسماح بمضاعفة الانبعاثات لمعامل شركات الترابة يمكن ان يكون قد تسبب بزيادة كبيرة بنسب الأمراض السرطانية في المنطقة! في حين اكتفى قرار التفتيش بالتوصية بالعودة الى القرار القديم واجراء الرقابة الدورية والمستمرة على معامل الترابة والكيماويات للتأكد من التزامها بالمعايير والمواصفات!
طبعا هناك قضايا وفضائح بيئية إضافية وسوء إدارة، طالما أثيرت إعلاميا ولم يتناولها التفتيش! وقد تم نقد قرار التفتيش آنذاك والعقوبة الشكلية التي اتخذها التي لم تكن بحجم المخالفات والارتكابات التي تم عرضها؟
واليوم يطرح السؤال نفسه الذي وجه إلى التفتيش آنذاك على وزير البيئة الجديد الذي يبدو انه إطلع على ما كتب حول الموضوع: ألا يفترض التعمق أكثر في المخالفات والارتكابات الحاصلة ودراسة حيثياتها وانعكاساتها... وتحضير ملف متكامل في فرصة العشرين يوما القادمة، لكي تكون القرارات موضوعية ومنصفة للإدارة والبيئة معا؟

← Back to Selected Articles