Skip to content
Democratic Renewal Movement

إدارة الوحش - جومانا حداد (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

أنظر في المأساة التي عاشتها بلدة كترمايا، في الفعل وردّ الفعل، فلا أرى إلاّ الوحش.
أيها الإنسان، أنتَ وحشٌ تقريباً. وأحياناً ضحية. أو ملاك. قليلٌ من هذا، وقليلٌ من ذاك، يصنعانكَ، ولا أعرف كيف.
على أني، بدون أحلام منتفخة، أقول إن الملاك والوحش يتعايشان في داخلكَ تعايشاً كاذباً. حتى لأزعم أن الوحش الذي فيك، يسهر لا ينام. فهو يحيا متنقلاً في بواطن أرجائكَ، وتحت مسامكَ، متربصاً بجسمكَ، بحواسكَ، بتخييلاتكَ، بهواجسكَ، بوعيكَ، وباللاوعي، ويتمنى لو يستطيع أن يستولي على كل نسمةٍ من نسمات حياتكَ.
يملأني العجب حيال الحياة البشرية مطلقاً. برمشة عين، ينقلب كل شيء فيها رأساً على عقب. هذا الملاك الهشّ، الذي كان ها هنا أمامي، كيف صار وحشاً؟ لستُ أدري.
هذه التوازنات والانسجامات التي تحكم هذه الحياة، لا أدري كيف تستسلم للوحش. حتى لأقول إن العبور من سلطان العقل الى سلطان الغريزة، يحتاج أقلّ من برهة، أقلّ من متر، وأقلّ من نظرة.
ذلك يشبه الغفلة، أو لحظة التخلّي. وما أكثرهما!
كل الهمجيات، كل المجازر، كل المآسي، كل الاقتتالات، أليست نتيجة للخربطة المفجعة التي تلمّ بهذا التركيب الهجين الذي يُدعى الكائن البشري؟!
أنظر الى أفعال القتل، الجماعية والفردية، فلا أرى إلاّ الوحش مستيقظاً، حتى لأقول إن الإنسان هو وحشٌ في الأساس، وقد أرغم نفسه، بفعل المصلحة، على إشاعة التوازن في ثنايا وحشيته. وهو، عندما يمارس حياته الاجتماعية والمدينية، فإنما ليس بقصد التخلي عن الوحش الذي فيه، ولكن فقط لإدارة نشاطه الوحشي المتواصل ليس إلاّ!
إدارة الوحش الذي فينا، ما الذي يجعلها تفلت من الأيدي، من العقال؟ وكيف يتخربط الكائن، وكيف يختلّ، وكيف تقع الواقعة؟
أفكر في الوجود الإنساني مطلقاً، لكن قلبي على بلادي، وعلى الإنسان الذي فيها.
ففي بلاد الفجيعة والألم هذه، أيّ ليلٍ يعبر بكوابيسه في العقل، فيصيّره مسخاً على صورة وحش.
وهذا الوحش الذي فينا، الهاشل في المدن والدساكر، وبين الناس، ممعناً نهشاً وافتراساً، كيف يعاد الى قفصه، إذا لم تكن الدولة، على علاّتها، هي هذا القفص؟!
أسمّي الدولة، لأني لا أجد شيئاً آخر يمكنه أن يحلّ محلّها في هذا العمل الهائل، بل شبه المستحيل.
أسمّي الدولة، وأنا أقصد دولة القانون، لا دولة الرعاع والغوغاء والعصابات والقتلة، وأهل النهب والافتراس والتخلف.
فكيف نصل الى هذه الدولة؟!
بعيداً من المطالب والأمنيات الكبرى. بعيداً من بهلوانيات السياسة والسياسيين، وقريباً من الفجيعة الحياتية المباشرة، لم نعد نريد الكثير. نريد فقط القليل القليل، ونكتفي به: إدارة الوحش الذي فينا، من أجل أن لا يستيقظ فجأةً ويخربط هندسة الحياة، ويجعلها حياةً مفترَسة!
نطالب فقط بالدولة، لإدارة الوحش الذي فينا!

← Back to Selected Articles