الدروز مهددون بالجمود الاقتصادي وليس بالانقراض المذهبي - خليل زهر (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
" أنا أمثل أقلية، ولكن لها حيثية. صحيح أن طائفتي، وكذلك المسيحيون على أبواب الانقراض، لكنها تبقى ذات حيثية في جبل لبنان، وكذلك في جبل الدروز..."
وليد جنبلاط (23/2/2010)
لا يسع المرء إلا التوقف عند تصريح الأستاذ وليد جنبلاط الذي يدق فيه ناقوس خطر الانقراض لجماعته الموحدين الدروز ولمواطنيهم المسيحيين، خاصة أن رأي الرجل وتحليلاته السياسية تلقى عادة الأذان المصغية عند العديد من اللبنانيين والعرب. إلا أننا في هذه الحالة، لا يمكننا إلا أن نتمنى معه، وهو الدرزي اللبناني و السياسي البارز، بأن يكون مخطئا في رؤيته هذه. خاصة أن المعطيات الموضوعية لا تدعم هذا التشاؤم بالرغم من ما تواجهه المنطقة من أزمات سياسية واقتصادية تكون أحيانا الأقليات المذهبية و الأثنية ضحيتها. وقد يكون ما نشهده من اشتداد الأزمات المذهبية بمثابة "قفزة القط الميت" لهذا النوع من الأزمات في ضوء اليقين المتنامي عند الشعوب والقيادات المتنورة بأهمية التعايش السلمي والتفاعل الايجابي بين الناس في إطار حرية المعتقد والانتماء والمساواة في حقوق المواطنة وواجباتها. كما أن الأوضاع الراهنة للأقليات بأنواعها في المنطقة والعالم ليست أسوأ مما مرت به عبر تاريخها الطويل، وتمكنت بالرغم من ذلك من البقاء والازدهار. كما لم يحدد الأستاذ وليد جنبلاط أي نوع من الانقراض ينتظر الموحدين الدروز. هل هو الانقراض بالمعنى السياسي؟ أم الانقراض بالمعنى المذهبي؟ أم هو الانقراض بالمعنى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي؟
إذا كان المقصود، الانقراض بالمعنى السياسي فجماعة الموحدين الدروز منذ نشأتها في القرن الحادي عشر الميلادي حتى وقتنا الحاضر لم تكن كيانا سياسيا واحدا. فهي جماعة مذهبية مسلمة، شأنها شأن أي جماعة مذهبية أخرى، توزعت ولاءات أبنائها على الأحزاب والحركات السياسية المختلفة في كل عصر وزمان. وفي لبنان، كما في سائر البلدان التي يتواجدون فيها، لعب الموحدون الدروز دورا أساسيا في تاريخه السياسي والاجتماعي ، فمنهم كانت القيادات الرئيسة لحزبي القيسية واليمنية، وبعدها للعصبيتين اليزبكية والجنبلاطية، وحاضرا يتوزعون على سائر الأحزاب والحركات الوطنية.
لقد كان التنوع في السياسة، بطبيعة الحال، السمة الدائمة للموحدين الدروز أينما حلوا أو نشأوا. إلا أن ما كان يرفعهم فوق انقساماتهم السياسية، ويجمع شملهم ويوحدهم عبر تاريخهم كان واجب الدفاع عن حريتهم وعن دينهم الإسلامي الحنيف وعن أمتهم العربية، حيث كانوا أول المناضلين في معارك التحرير والاستقلال في أرجاء الوطن العربي الكبير. كما أن هذه الجماعة ليست قبيلة كما يعتقد البعض، وبالتالي لا تنحدر من أصل عرقي أو أثني معين، بل تنحدر من أصول مختلفة ومتنوعة شأنها شأن سائر الجماعات المذهبية الإسلامية. لذا بالسياسة ليس للجماعة موقع لتتركه أو تعود إليه، كما أن محاولات استغلال مكانتها وتاريخها لأغراض سياسية فئوية أو حزبية، مآلها الفشل بسبب تناقض ذلك مع طبيعتها وتكوينها.
أما إن كان المقصود هو الانقراض بالمعنى المذهبي، حيث لا ينفك الأستاذ وليد جنبلاط يحذر من الفتنة المذهبية إلى حد اتخاذ خوفه منها مبررا إلى إعادة تموضعه السياسي الأخير، فان الكثير من المراقبين يستبعدون هذا الخطر نظرا الى أن نزاعات المنطقة هي نزاعات سياسية يؤججها التنافس على النفوذ وتؤطرها موضوعية المصالح. وان كانت الحكمة تملي عدم استبعاد هذا الاحتمال، إلا أن وصول تلك النزاعات إلى حد "التنظيف المذهبي" يعتبر أمرا ضئيل الاحتمال في هذا العصر، فضلا عن أن هذه الجماعة عرفت كيف تدافع عن نفسها وبقائها وتحمي كرامتها عبر تاريخها الطويل، وليس من سبب لتوقع العكس إن اضطرت الى ذلك مجددا لا سمح الله.
يبقى الاحتمال الثالث وهو الانقراض بالمعنيين الاقتصادي والاجتماعي، وفي هذا الإطار، مع عدم أخذ المعنى الحرفي للكلمة، فقد يكون تقويم الأستاذ وليد جنبلاط صحيحا إلى حد لا يجدر إهماله. حيث أن جماعة الموحدين الدروز في لبنان تعاني من عجز نسبي واضح في مؤشرات التنمية البشرية، سواء في جانبها الاقتصادي أو التعليمي أو الصحي أو المؤسسي، مقارنة بالجماعات المذهبية الأخرى. فمناطقهم تكاد تخلو من أي منشأة إنتاجية توفر عملا لعدد يتعدى عدد أصابع اليد. كما أن منظومة التعليم تعتمد كليا تقريبا على ما توفره الدولة وهو متواضع في الحجم والنوع والكفاءة نظرا إلى العجز في موارد الدولة وقدراتها. وكذلك الأمر في الخدمات الصحية، حيث أن بعضها المهم غير متوافر، وان توافر فهو دون المستويات المعيارية للخدمة. بينما المؤسسات المذهبية والمدنية يتقاسمها النفوذ السياسي ويفتقر معظمها إلى الشفافية والتنظيم الإداري الكفء الحديث.
وقد كان الموحدون الدروز اللبنانيون استبشروا خيرا عندما صدر، بعد طول تغييب دام بضعة عقود، في عام 2006 قانون جديد ينظم شؤونهم المذهبية والذي على أساسه تم تشكيل المجلس المذهبي وتوحيد مؤسسة مشيخة العقل و اختيار شيخ عقل جديد. وقد كانت أكبر الآمال معلقة على نجاح المجلس بتنظيم وإدارة شؤون الأوقاف لتعزيز عوائدها وتوظيفها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأبناء الطائفة. إلا أنه، وبعد انقضاء ثلاث سنوات ونيف على تشكيل المجلس ما زالت النتائج متواضعة جدا ودون الآمال المعقودة عليه، بالرغم من الجهود الكبيرة المخلصة لسماحة شيخ العقل وفريقه. و يأتي هذا التقصير نتيجة التدخلات السياسية في الشؤون المذهبية الناتجة عن الضعف الهيكلي والمادي للمؤسسات التي تفتقر إلى الكثير من الاستقلالية والشفافية، والتي لم يحصنها بالقدر الكافي القانون الجديد. ويعتبر التنكر لمبدأ وحدة مشيخة العقل الذي أقره القانون الجديد مثالا واضحا على محدودية كفاءة الإصلاحات المتخذة وعدم جدية بعض القيادات السياسية حيالها.
إن الانقراض هو مصير السلالات و الجماعات و الحضارات التي تتخلف عن مواكبة مسيرة التطور الاقتصادي والاجتماعي والفكري. حيث أنها تفقد بذلك قدرتها على التأقلم والتكيف مع المتغيرات في بيئتها التي تضمن بقاءها وتعزز ازدهارها. وحيث أن الحاضر هو الناتج التراكمي لأحداث الماضي، فان التطور يعطي الزمن اتجاهه، من الماضي عبر الحاضر إلى المستقبل. فاليوم غير الأمس وغدا يوم آخر، لذا فان التطور والتقدم لا يمكن تحقيقه باستخدام أدوات الماضي ولا باعتماد نماذجه. وان كانت مسؤولية التنمية والتطوير تتوزع على جميع أفراد المجتمع، فان القسط الأكبر من المسؤولية يقع على القيادات السياسية والدينية والفكرية وسائر الناشطين في المجتمع. فهؤلاء لا يملكون رفاهية التنظير فقط، وعليهم الجد في مواجهة التحديات بالمحافظة على كرامة الجماعة ومكانتها وتوظيف كل القدرات لخدمة مصالحها
التي يجب أن تتقدم على أي مصالح ذاتية ضيقة.
(باحث في القانون)