الحرب التي تعيش في الجنوب - علي الامين (البلد)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
شهدت الايام القليلة الماضية حادثتي مواجهة بين مواطنين جنوبيين وجنود من قوات اليونيفيل في مناطق جنوب الليطاني. الاول نشب في بلدة الصوانة بقضاء مرجعيون، مع دورية للوحدة الفرنسية، وهي الاكثر تحركا بين اقرانها، وكانت تعرضت، منذ وصولها الى اليوم، لتشكيك بدورها من قبل بعض الاهالي، بشكل عفوي او بإيعاز من "حزب الله". والثاني في قضاء بنت جبيل مع دورية للوحدة الايطالية، الاكثر قبولا وترحيبا من المواطنين، سواء لجهة حجم ما تقدمه من خدمات تنموية في القرى والبلدات الواقعة في نطاق عملها، او لأنها تحاشت الانجرار الى اي اصطدام مباشر او غير مباشر مع "حزب الله"، فيما كانت تراقب عن كثب ما اصاب الوحدة الاسبانية او الفرنسية، اللتين اعتمدتا اسلوبا في تنفيذ القرار 1701 لم يرق لكثيرين في مناطق نفوذهما، ما سبب حالة من البرودة في العلاقة مع محيطهم والقوى المؤثرة فيه.
حادثتان تكتسبان أهمية إضافية اليوم، لأنهما تأتيان في سياق الجدل الدائر حول احتمالات الحرب واستعداداتها، وهو جدل يتخذ بعدا وجوديا كلما اقتربنا من الحدود الجنوبية، لا سيما تلك البلدات والقرى التي تعرضت لتدمير هائل خلال حرب تموز 2006.
والحرب، التي تكاد تشكل لغة مشتركة على امتداد منطقة الشرق الاوسط، ثمة من يعتقد ان شرارتها الاولى سوف تنطلق من هذه المنطقة الحدودية، التي بات ابناؤها، خصوصا المقيمين منهم، ينظرون الى كل حدث مهما صغر شأنه، كمصدر لتأكيد مقولة الحرب الواقعة، او سبيلا لنفي وقوعها.
وفي خضم هذا التوجس، حينا او الاطمئنان حينا آخر، ثمة حقيقة يمكن تلمسها لدى العديد من المقيمين في مناطق حدودية، تتمثل في الشعور بالقوة التي عبرت عنها مواقف الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله. مواقف كانت شديدة الوضوح في رفع التحدي بوجه الحكومة الاسرائيلية وجيشها، خصوصا ان هذا التحدي لاقى صدى في الكيان الاسرائيلي، وهو مشهد لا يمكن ان يمر مرورا سريعا، بل حفر في وجدان من لم يعتادوا ان يسمعوا هذه اللغة وصداها من قبل اي حاكم او زعيم عربي او غير عربي.
على ان هذا الشعور، الصادق لدى فئات واسعة من ابناء تلك المناطق، لا يعني ان ثمة اشتياقا لديهم لحرب، بل هو شعور يعبر عن اعتداد بقدرات المقاومة وحزبها، لمنع حصول الحرب وليس لاستدراج عروضها المدمرة. في هذا السياق، ذي الابعاد المتشعبة والمشاعر المتضاربة، تبدو الصورة، في بعدها الميداني، وكأن الحرب واقعة غدا.
هذا ما يشير اليه مواطنون في تلك المناطق عندما يسردون وقائع ميدانية عن الاستنفار غير المعتاد لجسم المقاومة، وظهور اعداد متزايدة لأتباع "حزب الله" من خارج الجنوب، والتشدد في المراقبة وحماية بعض المواقع المستجدة التي يعتقد انها مناطق استراتيجية، او مواقع حساسة في اي حرب، الى جانب تزايد عدد من الاليات المدنية القابلة للاستخدام العسكري في الاونة الاخيرة.
ويشير بعض القاطنين في المناطق المحاذية للشريط الحدودي، الى ان العديد من التوجيهات الاستثنائية قد جرى اعتمادها وتبليغها للمحازبين، ومفادها ان يعدوا انفسهم لاحتمال الاستشهاد، وبالتالي القيام بكل ما يرتب هذا الاحتمال من اجراءات نفسية واجتماعية ودينية.
هذه الأجواء يزيد من حضورها لدى المقيمين في المناطق الحدودية تحولها اكثر فأكثر نحو اقتصاد الحرب. فالمؤسسات التجارية والاقتصادية عموما تصمد بقدر انخراطها في دورته، اذ تشكل الموارد المالية التي توفرها منظومة المقاومة السبيل الاول لصمود هذه المؤسسات، خصوصا ان قطاع البناء وبعض الوجوه الاقتصادية في تلك المناطق يقوم في جزء كبير منه على نشاط المقاومة في ابعاده العسكرية وغير العسكرية. وما يعزز هذه الحقيقة ويظهرها ان العديد من المواطنين ينتظرون انقشاع المشهد ليقرروا السير في مشاريع خاصة او بيوت كانوا بدأوا عملية بناءها.
إعتداد بالنفس إذا، وثقة بخطاب التحدي الذي أطلقه السيد نصرالله، وبناء دورة اقتصادية تتيح استقطاب عاطلين عن العمل ودعم ما تقتضيه شروط المحافظة على حد من الاستقرار الاجتماعي – الاقتصادي.
كل ذلك يجعل من الحرب موضوعا وحيدا. باعتبارها تحدّ وجودي، حاضر في المشهد وحده، من دون أن يزاحمه أو يدانيه أيّ خيار آخر. كأنّ للحرب، في الشرق الأوسط كلّه، منزلا تعيش فيه، وهذا المنزل هو الجنوب اللبناني. قد تغادر إلى مكان آخر، لكنّها، إلى أن تظهر في منطقة أخرى، تعيش هناك، جنوب النهر الإقليمي.
| التالي | السابق |
