هل ستقوم دولة في لبنان؟ وأي دولة ؟ - سركيس نعوم (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
تعتقد قوى اساسية في فريق 14 آذار انه نجح في استعادة الاستقلال والسيادة والحرية للبنان وإنهاء حكم الوصاية السورية عليه. وتعتقد أيضاً ان عليه ان يعمل الآن لإقامة الدولة المدنية، دولة الكفايات والنزاهة والشفافية التي يكون الحكم فيها للأصلح والأجدر والأعلم الى اي حزب او تيار او سياسة او طائفة او مذهب انتمى. وتعتقد اخيراً ان دور فريق 14 آذار لا ينتهي الا بقيام هذه الدولة القوية.
هل هذه الاعتقادات في محلها؟
قبل الجواب عن هذا السؤال لا بد من الإشارة الى ان الدافع اليها هو بدء عدد من السياسيين والاعلاميين التعبير عن اقتناع عندهم بأن فريق 14 آذار قد انتهى او عن خوف عندهم من وصوله الى نهايته وذلك بعد التغيير الكبير في ميزان القوى الداخلي الذي بدأ بعد حرب تموز 2006 والذي مكّن فريق 8 آذار من تسجيل نقاط عدة على فريق 14 آذار سواء في السياسة او في الأمن. وقد ادى ذلك وبصراحة كاملة الى تعطيل مفاعيل فوز الفريق الأخير في الانتخابات النيابية التي جرت في حزيران الماضي والى امتلاك 8 آذار حق الفيتو السياسي بعد امتلاكه ومن زمان حق الفيتو الامني والعسكري. ولا بد من الاشارة ايضاً الى ان تغيير ميزان القوى الداخلي ترافق مع تغيير مماثل في ميزان القوى الاقليمي – الدولي، عزز التغيير الحاصل في الميزان الداخلي ومكّن فريق 8 آذار من ترسيخ مكتسباته الداخلية ودفعه الى التخطيط لتحقيق المزيد منها بانتهاج "سياسة القضم" واستغلال الظروف المناسبة على تنوعها. ولا بد من الاشارة اخيراً الى ان الاستياء او الانزعاج كان احد العوامل التي دفعت قوى اساسية في 14 آذار الى الاعتقادات المذكورة اعلاه والى التشديد على ان فريقها لم ينته بل لا يزال يتمتع بالقوة التي تمكّنه من الاستمرار في الكفاح والنضال.
اما في ما يختص بالجواب عن السؤال المطروح اعلاه فيمكن القول ان 14 آذار نجح في اخراج الجيش السوري والوصاية السورية من لبنان وفي انهاء النظام الامني اللبناني – السوري المشترك وفي وضع البلاد على طريق السيادة والاستقلال. لكن ما يجب ان يرافق هذا القول ايضاً هو الاعتراف بأن اخراج الجيش من البلاد لم يُرِحْها من التدخل السوري الامني والسياسي والمتنوع وان على نحو غير مباشر وبواسطة الحلفاء. وما يجب ان يرافق هذا القول ايضاً ان استعادة السيادة والاستقلال كانت نظرية اكثر مما هي عملية. والبراهين على ذلك كثيرة منها استمرار المعسكرات الفلسطينية خارج المخيمات في الداخل اللبناني وفي المناطق الحدودية للبنان مع سوريا. واستمرار هذه الحدود "مستباحة" او كي لا يزعل احد "فالتة" رغم العمل الذي قامت به جهات دولية واممية (امم متحدة) واستمرار عجز الحكومات "السيادية" والادارات الامنية والعسكرية للدولة المستعيدة استقلالها وسيادتها عن معالجة موضوع الحدود وفلتانها والمعسكرات الماسة بالسيادة سواء بالسياسة والديبلوماسية او بوسائل اخرى. وما يجب ان يرافق القول نفسه ثالثاً ان الديموقراطية الحقيقية التي ارادها فريق 14 آذار عطّل تحقيقها ما حصل في ايار 2008 والاعتصام الذي قام في وسط بيروت وشلل الحكومة بسبب انسحاب الوزراء الشيعة منها مع وزير رئيس الجمهورية في حينه اميل لحود. وقامت بديلاً عنها ديموقراطية توافقية يستحيل في ظلها وبسبب الخلافات المستحكمة بين اللبنانيين وميزان القوى المختل على الارض ان تكون الحكومة اي حكومة منتجة. وما يجب ان يرافق القول اياه رابعاً ان 14 آذار خسرت احد ابرز قادتها ومكوّناتها الزعيم الدرزي الابرز وليد جنبلاط وحزبه وشعبه رغم "استياء" الاخير من تحوله السياسي الجذري والمستمر. ولا بد ان يُخسِّرها ذلك وفي وقت غير بعيد غالبيتها النيابية وخصوصاً بعد أن تستكمل ملفات المصالحة بينه وبين سوريا. وما يجب ان يرافق القول المذكور خامساً هو ان الدول التي تبنت قضية فريق 14 آذار، وهي قضية لبنان والعدالة فيه والحقيقة، راجع معظمها سياساته اللبنانية والاقليمية وخرج باستنتاجات تفيد مصالحه التي يمكن ان تتأذى في حال استمرار هذه السياسات. فها هي المملكة العربية السعودية تضغط على حلفائها في لبنان كي يعضّوا على الجرح وكي يسيروا في تطبيع مع سوريا ومع حلفائها في لبنان سيؤدي حتماً الى تقليص نفوذهم وفاعليتهم في السلطة وخارجها. وها هي الدول الغربية الكبرى والمتوسطة تفتح الابواب امام سوريا بعدما اغلقتها قبل سنوات لأسباب متنوعة كان لبنان ابرزها في حينه. وهي فتحت الباب ايضاً امام ايران. واذا كانت هذه "الفتحة" غير منتجة حتى الآن فلأن ايران لا تزال "تتغنج" ولا تزال تحاول ضمان الحصول على مزيد من المكاسب في المنطقة معتمدة على الاوراق الاقليمية الكثيرة في يدها. والازمة اللبنانية تأتي في مقدمها.
ماذا يعني ذلك؟
يعني في اختصار ان فريق 14 آذار ضعف. ولا نقول ذلك شماتة لأننا لسنا ضده وان لم ننتم اليه ولأننا لسنا من 8 آذار. والاعتراف بذلك مفيد لأنه قد يدفع الى درس الاسباب ومعالجتها. علماً ان عدمه قد يكون الهدف منه الاستمرار في تعبئة الجماهير. ويعني ايضاً ان الدولة القوية التي يعمل لها قد تكون بعيدة المنال لأنها مختلفة عن الدولة القوية والعادلة التي يسعى اليها فريق 8 آذار. وهو الآن اقوى داخلياً وخارجياً، ويعني ثالثاً ان دولة 8 آذار بدأت تقوم، فدولة "حزب الله" المنتشرة سياسياً وعسكرياً في مناطقه بدأت تنتشر ايضاً في المناطق الأخرى وبالطريقة نفسها. وهي منتشرة مع حلفائها في "الدولة اللبنانية" المهترئة التي يحاول رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تصليحها ولكن من دون اي نجاح حتى الآن لانهما يفتقران الى الوسائل وليس معهما الا جمهور الثاني ونصف جمهور الاول. طبعاً كل ذلك لا يدفعنا الى القول ان دولة 8 آذار ستقوم حتماً في صورة نهائية علماً انها ليست الدولة المدنية الشفافة دولة الكفاءات والنزاهة البعيدة من الطائفية والمذهبية، وعلماً ان قيامها على لا عدالتها في نظر كثيرين قد لا يكون مستحيلاً. بل يدفعنا الى التحذير من ان استمرار 8 آذار ورعاته في السعي الى اقامة دولتهم في لبنان واستمرار 14 آذار، من دون رعاتهم، في السعي الى اقامة دولتهم في لبنان يمكن ان يوصل اللبنانيين الى فتن اهلية تفقد بلادهم استقرارها وتنهي دولتها وربما تفقدها ايضاً الاستقلال في صورة نهائية.