الرجل الواحد ومقامه - علي الامين (البلد)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ذهب الحريري إلى دمشق متسلحا بإجماع وطني وعربي
دخل الحريري على الأسد وحيدا وندّا وإن قال البيان الوزاري غير ذلك
مع ختام زيارة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري الى دمشق ندخل مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين. فقد التقى الحريري القيادة السورية وعلى رأسها الرئيس بشار الاسد كـ"رئيس لحكومة كل لبنان"، وهي العبارة التي كررها المسؤول اللبناني خلال مؤتمره الصحافي في السفارة اللبنانية في دمشق اكثر من مرة، وبذلك يكون اول مسؤول لبناني يدشن هذه الخطوة التي تحمل في طياتها تأكيدا على البعد الذي يريده كل اللبنانيين، بان تترسخ علاقات الثقة والتعاون بين الدولتين على قواعد العلاقات بين الدول.
الزيارة التي وصفها الحريري بالتاريخية ليست كفيلة، وحدها، بإزالة كل ما شاب العلاقة بين الدولتين من مناخات التوتر وانعدام الثقة والاتهامات المتبادلة، لكنها تفتح بابا على الامل ببناء الثقة، عبر المراكمة في خانة الايجاب للاستعانة بها على معالجة الملفات الاشكالية والمتشابكة. ذلك ان الايغال في نبش الخلافات والتركيز الدائم على الوجوه السلبية في العلاقة، اثبتا في كثير من الاحيان انه دوران في حلقة مفرغة، الأمر الذي دفع البلاد الى حال من انعدام الوزن، وساهم في تهشيم مؤسسات الدولة ومنطقها لحساب مشروع الدويلات.
حرص الرئيس الحريري، وكان حصيفا في ذلك، على الاقتضاب في تناول الموضوعات التي كانت مدار بحث مع الرئيس الاسد، وكان في ما قاله للاعلاميين منسجما مع كونه رئيس حكومة لبنان، الساعي لبناء علاقة تقوم على الاحترام المتبادل والندية، واظهر بشكل ايجابي وموضوعي ان هناك خلافات مع دمشق عندما اشار مواربة الى نصف الكوب الفارغ ... ليقول بعد ذلك ان الزيارة نجحت في التأسيس لمرحلة ايجابية في العلاقة، وقد كان الحريري منسجما مع دوره وموقعه، في رده على سؤال وجه اليه حول قضية احتلال الغجر، وعما إذا تمّ جرى بحثها مع القيادة السورية، فقال انها قضية لبنانية داخلية.
ولم يفت الرئيس الحريري، وهو يعبّر عن ارتياحه لاجواء اللقاء والحفاوة التي استقبل بها من قبل الرئيس الاسد، ان ينبّه من ان اسلوب تسجيل النقاط بين القوى السياسية اللبنانية حيال هذه الزيارة لن يكون لصالح الطامحين الى بناء علاقات جيدة بين البلدين، رافضا ادراج الزيارة في اطار تغليب فئة لبنانية على اخرى.
ذهب الحريري الى دمشق كرجل دولة، مؤمن بحقائق التاريخ والجغرافيا، مدرك استحالة ان تقوم العلاقة مع سورية على نفي المصالح الوطنية لحساب المصلحة القومية المشتركة بين الدولتين، لان هذا النموذج من العلاقة، اذا كانت له بعض الايجابيات، فانه في المقابل ساهم في بناء سدود بين لبنان وسورية سببتها نزعة الوصاية على لبنان لدى القيادة السورية قبل انسحاب جيشها من لبنان، والتي تكاملت مع نزعة الخضوع والاستقواء بالخارج لدى جزء من اللبنانيين.
أيضا ذهب الحريري الى دمشق من بوابة المصلحة القومية، وهو متسلح باجماع لبناني وعربي يعضده لرأب الصدع، لكنه يدرك في المقابل ان منظومة المصالح الوطنية هي ما يدفعه الى هذه الخطوة.
افتتح الحريري مرحلة رئاسته الاولى لحكومة لبنان برسالة لبنانية ودّية نحو سورية تعكس توازنات التسوية بمساهمات اقليمية ودولية. واستقبل الاسد الحريري وهو يدرك ان مرحلة الوصاية لم تؤسس لثقة تصمد عند التحديات، بل انهارت وسببت مآسي وآلاما وخسائر. ولعل في مبادرة الحريري فرصة لصوغ علاقة راسخة قوامها الخيار الحر والمصالح المشتركة لا الاكراه والمصالح الشخصية الضيقة!
يبقى أنّه في السابق،كان المسؤولون اللبنانيون، دون استثناء، يتوقفون في عنجر، في ذهابهم برا الى دمشق، أما الحريري فزار الشام طائرا، كما لو أنّه يبالغ في تقدير المسافة الفاصلة بين البلدين، المسافة السياسية وتلك الجغرافية، والعاطفية أيضا. وهو حين وصل وحيدا، دخل وجلس "رأسا برأس" مع الأسد، ندّا، وإن قال البيان الوزاري غير ذلك.
هذه هي النتيجة الأكثر سطوعا لزيارة الحريري، أنّه بات للبنان رئيس... ندّ تكرّمه القيادة السورية باستضافته في مقام الملوك، لا لأنّه بالغ في مديحها بعدما قاتلها، ولا لأنّه يسترضيها عند كلّ زاوية (من دون أسماء) بل تكرّمه لأنّها صارت تحترم مقامه.