Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

الجوهري والمجهري في الحكومة الجديدة - فواز طرابلسي (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

حمل تشكيل الحكومة والتركيبة التي انتهت إليها عدداً من العناصر والدلالات لم تعطَ بعد ما تستحقه من الاهتمام والتحليل، بعضها مجهري يستحق لفت النظر والتسجيل برغم كل شيء، وبعضها جوهري يبدو كأنه قد أوصل النظام السياسي إلى ذروة جديدة لمنطقه وتناقضاته والمفارقات.
÷ أولاً، في العدد: لا يعتقد المواطن الذي يوقّع هذه المقالة أن خزينة الدولة اللبنانية من الوفرة والبحبوحة بحيث تسمح بترف دفع المترتبات المالية لـ30 وزيراً (معاش الواحد منهم 7,835 دولارا أميركيا). للمقارنة، تختصر حكومة بريطانيا العظمى عدد وزرائها تقليدياً إلى ما بين 21 و24 وزيراً توفيراً على الخزينة والمكلّفين. منطق التشاركية عندنا يريد غير ذلك، وعلى المواطنين وخزينة الدولة والوطن دفع الثمن. اللهم إلا إذا أريد إقناعنا بأن لا علاقة سببية بين الإنفاق الحكومي والهدر من جهة وبين عجز الخزينة والمديونية العامة من جهة أخرى. ولكن ما همّ! طالما لدينا هذا النظام المصرفي الكريم الذي لا يبخل بالغالي والرخيص في إقراضنا ـ دولة ومواطنين ـ وبفوائد يجب أن نصدّق أنها «متهاودة»!
÷ ثانياً: باتت الحكومة، مع هذه التشكيلة الوزارية، صورة مصغرة عن المجلس النيابي، إذ تمثل كتله النيابية كلها تقريباً. قضت التشاركية عملياً على جدل الأكثرية الحاكمة والأقلية المعارضة. علماً أن تعطيل جدل الأكثرية والأقلية ليس اللزوم اللازم للحكومات الائتلافية كما قد يظن البعض. رُبّ حكومة ائتلافية تضم أكثرية برلمانية وتعارضها أقلية برلمانية. عندنا ابتلعت الحكومة الائتلافية البرلمان. ومن خلال هذا التطابق بين برلمان وحكومة، تضاءل، حتى لا نقول انعدم، دور مجلس النواب في مساءلة الحكومات ومراقبتها والمحاسبة.
÷ ثالثاً: خلال تشكيل الحكومة، سار الجنرال عون على ما وعد به وحققه لتياره في الانتخابات النيابية: انتخاب ناخبين مسيحيين لنوابهم بأصواتهم. نجح نجاحاً جزئياً في هذا الجهد لأننا، إذا صدّقنا الإحصائيات التي يقدّمها النائب إيلي الفرزلي، فما يزال ناخبون مسيحيون يختارون أقل من نصف حصتهم من «نوابهم» (29 من أصل 64). مهما يكن من أمر، كان نجاح رئيس كتلة التغيير والإصلاح في أن ينتزع لنفسه وتياره حق اختيار الوزراء الذين يمثلونه نجاحاً جزئياً هو الآخر، لأن الأمر كان أن يقتصر على وزراء التيار الوطني الحر، دون سواهم. هذا على افتراض أن أحداً يستطيع أن يدلنا كيف يمكن لـ«الطائفة» أن تعبّر عن إرادتها وخياراتها أو أن يجيب على السؤال العبثي: أي نظام انتخابي، من بين الأنظمة الانتخابية المتداولة، يسمح لكل ابن طائفة أن يختار ممثليه إلى الندوة النيابية، ناهيك بالوزارة. منذ اعتماد النظام الطوائفي، مطلع المتصرفية، لا تزال المعجزة اللبنانية عاجزة عن مثل هذا الإعجاز!
÷ رابعاً: برز نسق جديد في اختيار الوزراء أنفسهم. تمثلت ثلاثة أحزاب رئيسية ـ التيار الوطني الحر، «القوات اللبنانية»، وتيار المستقبل ـ بأفراد من خارج الانتظام الحزبي، غلب عليهم طابع الاختصاص والموقع التكنوقراطي أو المسؤولية في الهيئات الاقتصادية أو الاجتماعية. يصعب إيجاد تعليل واحد مقنع لهذا الخيار المستجدّ. هل هو من ترسّبات المناخ الذي طغى لفترة على مفاوضات التشكيل، ما استدعى البحث في أن تتمثل كتل برلمانية متنازعة بواسطة تكنوقراط بديلاً من الحزبيين والسياسيين؟ أم هو إعلان عن تبني مبدأ الفصل بين النيابة والوزارة الغالي على قلب التيار الوطني الحر، مع أنه أثار داخله عاصفة انتقادات ومعارضات حادة لا تزال تتوالى فصولاً؟ أم ترى هذا الشكل من أشكال التوزير ضرباً من ضروب العلاقات العامة يتنافس فيها كل طرف على تقديم ذوي اختصاص وكفاءة طالما أن البحث يدور حول مشاريع الإصلاح؟ أم أن الأمر لا يتعدى كثرة المستوزرين في كل كتلة؟
قد تكون جملة العوامل تدخلت في ترجيح هذا الخيار. والمعروف أن لبدعة الفصل بين النيابة والوزارة سيرة طويلة في حياة النظام السياسي يعود بعضها إلى مواربة تمثيل المصالح الاقتصادية الرأسمالية في ظل نظام سياسي ظل طويلاً تحت وطأة الوجهاء الريفيين والمدينيين ذوي القاعدة الزراعية أو العقارية، أو كان ولا يزال مطلباً يعبّر عن طموحات الطبقات الوسطى والمثقفة الصاعدة تبحث عن مكان لها في دوائر القرار بالحضور المباشر في السلطة التنفيذية دون المرور بالواسطة البرلمانية. مهما يكن من أمر، فمبادرة الفصل بين النيابة والوزارة ضربة إضافية لمنطق العلاقة بين السلطتين الاشتراعية والتنفيذية الذي يقوم على مبدأ صدور الثانية عن الأولى ومسؤوليتها تجاهها.
÷ خامساً: لا بد من أن نسجل للوزارة الحالية أنها تضم امرأتين لا تنتميان إلى واحدة من العائلات الحاكمة تحتل إحداهما حقيبة وزارية عالية المسؤولية. وهذه سابقة في مجال تسلّم نساء للمسؤوليات الوزارية، من مدخل ليس هو المدخل الأسروي، دون أن يعني ذلك دخول المطالب النسوية إلى السلطة التنفيذية بالضرورة.
÷ سادساً: جرى التوافق في تشكيل الحكومة الائتلافية على المحاصصة الطوائفية والسياسية ومن حيث توازن القوى بين الكتل النيابية، ولم يتم الائتلاف سلفاً على قاعدة التوافق على السياسات والأولويات التنفيذية. أحيل أمر رسم هذه وتلك إلى البيان الوزاري. بل أكثر من ذلك: تم التوافق على ضرورة تحييد القضايا الخلافية عن مداولات لجنة صياغة البيان الوزاري، رغم أن الحد الأدنى ممّا لا بد أن يتضمنه البيان العتيد مصدر لخلافات لا تزال تؤخر إعلانه. وقبل أن تصدر لجنة الصياغة بيانها، يجري تبشيرنا بقرب انعقاد هيئة الحوار الوطني للبحث في المواضيع والقضايا التي لن تدخل في البيان العتيد، أو التي كانت موضع خلاف خلال صياغته، نعرف بندين على الأقل من بنودها هما الستراتيجية الدفاعية والإصلاح السياسي.
في الخلاصة، يؤذن تشكيل الحكومة وتركيبها ببلوغ النظام السياسي دورة جديدة من الاستعصاءات تنأى به أبعد فأبعد عن أن يشتغل كنظام أي كمجموعة مؤسسات متراتبة ومتراكبة وذات توزيع محدد للأدوار والصلاحيات والمسؤوليات. هكذا يزداد التكرار بين الهيئات واختزال الواحدة للأخرى ويبتعد الحكم بالجملة عن قاعدته الأساسية ـ السيادة الشعبية المعبّر عنها بالانتخابات النيابية ـ إذ يغلب التنفيذي على الاشتراعي وتخصص لبت القضايا الخلافية والمصيرية، على بلبلة ما تعنيه، مرجعية غير دستورية تعمل لاحقة على تشكيل الحكومة لا تسهيلاً لتشكيلها، تضع الحكم فعلاً في يد 14 سياسياً هم أوصياء ـ نظرياً ـ على الحياة السياسية في البلاد دون أن يكونوا مسؤولين تجاه هيئة دستورية معينة.
إلى هذا كله، تبدأ الحكومة أعمالها بغموض شديد يلف كيفية ممارستها التضامن الوزاري بين أعضائها ودور رئيسها.

← Back to Selected Articles