Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

ليس رداً بل تحفيز للوزير الجديد: الجامعة اللبنانية على حقيقتها الفضائحية - ميشال جحا (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

قرأت في "قضايا النهار" (18/11/2009) ما كتبه الدكتور حسن منيمنة(•) - قبل أن يصبح وزيراً للتربية - حول "مخطط لبناء الدولة في لبنان". حيث يقول: "فالدولة ليست مؤسسة مضافة الى المجتمع، بل هي المجتمع نفسه منظوراً اليه في أعلى مستويات تنظيمه لنفسه إنها داخلية ومرجع هويته ومستند إستمرار وجوده".
ثم يقول: "بيد أن مشروع الدولة الحديثة في لبنان لا يزال في تراجع مستمر، ليس فقط بسبب تدخل ارادات دولية تمنع تحقق هذا المشروع، أو تعوّق حركة تحقيقه، بل بسبب واقع داخلي شارك اللبنانيون جميعاً، على نحو ارادي واختياري حيناً وإكراهي ولا واعٍ حيناً آخر، في خلقه وايجاده، ما جعل تنفيذ مشروع الدولة بحكم المؤجل دائماً، وجعل أوجه الحياة في لبنان، السياسية والانمائية والاجتماعية والثقافية على وجه الخصوص، تدور في حلقة مفرغة، ماضيها مربك، وحاضرها فاقد لقدرة الدفع الى الامام، ومستقبلها ضبابي".
هذا كلام صحيح وتوصيف للعلة التي نشكو منها منذ عهد الاستقلال ولا نزال وهي تتفاقم وتزداد سوءاً.
وهذا توصيف للواقع الذي نعيشه. المهم كيف الخروج من هذا الواقع المظلم؟ كيف تُبنى الدولة الحديثة المتطورة؟ مَن يبني الدولة؟ يبنيها المواطنون الافراد كل حسب موقعه وعمله. ولكن المسؤول عن بناء الدولة هم الحكّام. هل فعلوا ذلك؟ ولماذا لم يفعلوا؟! مَن يحاسب المسؤولين عن الحكم منذ عهد الاستقلال؟ ومَن يحول دون أن يحقق الحكام ذلك؟ لماذا أصبحت كل طائفة بل كل مذهب أو كل فريق أو حزب أو تكتل أو تيار، "دولة في قلب الدولة. ومَن المسؤول عن "نقل الدولة من مجال العام الجامع الى المجال الشخصي" كما ورد في المقال؟
مَن الذي جاء بـ"الميليشيات" و"قوى الامر الواقع" التي اغتصبت السلطة أثناء الحرب الاهلية لتتولّى شرعاً السلطة ودعمها مادياً ومعنوياً ومذهبياً حتى فازت في الانتخابات ودخل ممثلوها الوزارة؟
•••
لن أخوض في ما يشكو منه الشعب اللبناني من فساد وسوء إدارة ومحسوبية واستئثار بالسلطة والتسلّط على جميع الصعد: الواقع المعيشي وتغييب النقابات العمالية وضربها بعضها ببعض وشراء زعماء البعض الآخر واسكاتهم عن المطالبة بحقوق العمال. لن أتحدث عن الدَين العام الذي زاد عن الخمسين مليار دولار، والكهرباء التي بلغ عجزها 20 مليار دولار وهي لا تزال تقنّن وتنقطع، والتلوث والاستشفاء والضمان الصحي والبطالة والفساد على جميع الصُعد واهتراء البُنى التحتية لشبكات المياه والطرق وجبال النفايات التي لم تتمكن من معالجتها كما تفعل باقي دول العالم الراقية... لن أتحدث عن فساد القضاء والادارة وتعطيل سلطات الرقابة.
لن أتناول شراء الناس ودفع مئات ملايين الدولارات في الانتخابات اللبنانية. لن ولن!
سوف أتناول مرفقاً واحداً وحيداً هو الجامعة اللبنانية خاصة ان كاتب المقال هو استاذ ومدير للفرع الاول ورئيس للقطاع التربوي في تيار المستقبل - بعد ان جرى تسييس الجامعة أساتذة وطلاباً - خاصة انه اصبح اليوم هو المسؤول المباشر عن الجامعة كونه وزيراً للتربية والتعليم العالي.
•••
عام 1961 بدأت التدريس في الجامعة اللبنانية متعاقداً أي منذ 48 عاماً قبل أن يولد أكثر من نصف اساتذتها اليوم. رافقتها منذ بداياتها. فهل هذه الجامعة الوطنية الوحيدة تتطور وتسير الى الأمام؟ أم انها تتخلّف؟ واذا كانت كذلك، وهي كذلك، فلماذا؟ ما هو السبب ومَن المسؤول؟
يوم دخلت الجامعة اللبنانية لم أدخلها بواسطة أحد أو لأني انتسب الى حزب - أنا لا أنتمي الى أي حزب - أو تنظيم أو ميليشيا. في ستينات القرن الماضي لعبت الجامعة دوراً واعداً على صعيد مستوى التعليم الجامعي في لبنان، كان من بين أساتذتها يومها نخبة هم من خيرة الاساتذة - من جميع الطوائف والمذاهب - لن أذكر أسماء. هم معروفون وطلابها شكلوا حركة انتفاضة وطنية واعدة حققت مكتسبات مهمة. أين الدور الذي يلعبه طلابها اليوم بعد أن تسيّسوا؟ من ذلك الجيل نشأ أدباء وشعراء ورجال فكر وصحافيون لامعون.
جاءت الحرب الاهلية وجاء تفريع الجامعة وتفريغها وتدخلت الاحزاب وقوى الامر الواقع ورجال السياسة ورجال الدين في شؤون الجامعة مما أدى الى ضربها. في الفرع الاول من كلية الآداب والعلوم الانسانية حيث كنت أدرّس أخذ بعض الاساتذة الطامحين الى دخول ملكوت الجامعة يتقرّبون من "المرابطون". ثم لمّا اندحر هؤلاء توجهوا الى "حركة أمل"... ثم جاء دور "تيار المستقبل" مع بداية تسعينات القرن الماضي. الفرع الثاني لم يكن افضل حالاً. حصل التودد للأحزاب والميليشيات المسيطرة والمتحكمة برقاب الناس وبرقاب الجامعة.
كل ذلك أدى الى تفريع الجامعة بدلاً من توحيدها ودعمها. أدى الى دخول اساتذة حملة شهادات مزورة واساتذة باعوا اسئلة الامتحان للطلاب اساتذة تركوا لبنان وظلوا يتقاضون رواتبهم... كيف تنهض جامعة بعض اساتذتها يهتمون بأشغالهم ومؤسساتهم الخاصة بدلاً من الاهتمام بشؤون الجامعة وطلابها؟ بعضهم على سفر متواصل. كيف يدرّس استاذ يمضي قسما من وقته في سفر؟ منهم من تقرّب الى رجال السياسة او المسؤولين او الاحزاب كمستشارين او مساعدين. كيف تنهض جامعة بات المسؤول السياسي او الحزب يحشد جماعته وزلمه وانصاره في كلياتها؟
ومهزلة معادلة الشهادات التي يحملها الاساتذة في البلدان الاجنبية. كيف يحق لجامعة ناشئة هي الجامعة اللبنانية ان تعادل شهادات اعطيت في جامعات عريقة عمر بعضها اكثر من 500 سنة؟ وكيف يجوز ان تعادل شهادة استاذ من الفئة الاولى واستاذ آخر يحمل شهادة من الجامعة ذاتها تعادل من الفئة الثانية؟
ولماذا كانت شهادة استاذ لا تنال موافقة لجنة المعادلات لعدم توافر الشروط المطلوبة تتم معادلتها من الفئة الاولى عندما يتدخل مسؤول او رجل دين.
الشهادة لا تصنع استاذا ناجحاً هي جواز مرور. الاهم من الشهادة هو الاستاذ الذي يحملها.
كي اكون اكثر دقة اتساءل: لماذا لم يعيَّن عمداء لكليات الجامعة منذ خمس سنوات؟ اليس الخلاف الذي حال دون ذلك هو خلاف مذهبي ومحاصصة بين الطوائف بدلا من ان يكون على اختيار الاستاذ الكفوء؟
ولماذا نال بعض الاساتذة منذ خمس سنوات ثلاث درجات وحرم منها البعض الآخر؟ ما هي المعايير التي اتبعت؟ اذا كان المعيار هو المؤلفات والابحاث فان لي عشرين كتابا منشورا وقيد النشر. فلماذا لم اعامل مثل زملائي واعطائي حقي؟ منهم من قيل لهم انه لا يحق لهم ذلك ولكنهم نالوا الدرجات الثلاث مع مفعول رجعي!!
في نهاية 2004 عندما علمت صدفة بذلك تقدمت بطلب الى رئاسة الجامعة وبعد مرور سنة ارسلت كتابا استوضح الامر. لا جواب. ثم ارسلت رسالة ثانية بعد مرور سنتين وكذلك لا جواب. وعندما كنت اراجع ادارة الجامعة كان يقال لي ان جميع الطلبات سوف تدرس... حتى اليوم لم تدرس. قيل السبب هو عدم وجود مجلس للجامعة. تصوروا هذه الحجة.
انا لست الوحيد. هناك عشرات الاساتذة تقدموا بطلباتهم للحصول على الدرجات المستحقة لهم من بينهم عمداء سابقون.
لم يبق لي سوى ان اتقدم بدعوى الى مجلس شورى الدولة، كما فعل بعض الاساتذة... ويبقى السؤال: لماذا لا ينال الاستاذ حقه دون ان يستجدي او يتوسط او يقيم الدعاوى؟ هل سيصدر حكم مجلس الشورى قبل صدور حكم القضاء والقدر وينتهي الامر؟ لدي لائحة بأسماء الذين نالوا هذه الدرجات جميعهم دون استثناء من طائفة واحدة! هل هكذا تبنى الجامعة؟
بعض اساتذة الجامعة اللبنانية هم من خيرة الاساتذة، تدل على ذلك مؤلفاتهم وابحاثهم، وبعضهم يجب الا يكونوا فيها، والبعض الآخر لا يعطي الجامعة اهتمامه لأنه منهمك بأشغاله الخاصة.
هل عدد الطلاب في الجامعة دليل على نجاحها؟ بعض الطلاب يتسجلون لكي ينال آباؤهم – اذا كانوا موظفين – منحة تعليم! بعضهم جاء للتسلية وتمضية الوقت... في الجامعة طلاب جادون وجيدون هؤلاء هم ركيزة الوطن فمن يهتم بهم؟ من يؤمن لهم مستقبلهم؟ اسألوهم عن اساتذتهم وعندهم الخبر اليقين.
لماذا يقبل في الجامعة مئات بل الوف الطلاب السوريين الذين رفضت الجامعات السورية قبولهم لأن معدلاتهم لا تخولهم ذلك؟ ألا يكفي المستوى المتدني الذي نشكو منه لنزيده تدنيا؟
هناك اساتذة كتبوا او استكتبوا اطروحات لضباط سوريين، يوم كان الجيش السوري في لبنان، ومنحوهم شهادات دكتوراه لا يستحقونها. هذه الشهادات يجب ان تلغى. هناك اساتذة قبضوا من طلاب خليجيين لكي ينجحوا وقد اثار ذلك ضجة عارمة لا بل فضيحة!
ليست هذه المرة الاولى التي اكتب فيها عن الجامعة اللبنانية، المرة الأخيرة كانت منذ حوالى 15 سنة. يومها هنأني رئيسان ممن تولوا رئاستها. ليس هدفي التشهير بأحد، هدفي اصلاح الجامعة. هل هناك من يستطيع ذلك فعلا؟ او على الاقل يحاول! ام انه "فالج لا تعالج" يقول المثل: من يكتم علته تقتله!
معالي وزير التربية والتعليم العالي الجديد من داخل الجامعة، وأهل مكة ادرى بشعابها، وهو يعرف ان ما قلته صحيح وان هناك اشياء سكتُّ عنها، غايتي ان ارى هذه الجامعة التي امضيت فيها قسما من عمري في طليعة الجامعات في لبنان.
هل يُقدم على اصلاح الجامعة؟ نحن معه. ام...؟
باختصار اقول هناك شرطان لبناء الجامعة اللبنانية الاول رفع ايدي السياسيين عنها والثاني اعطاؤها استقلالا اداريا وماليا. عندها يمكن أن يُبدأ باصلاح الجامعة.

(•) حسن منيمنة – "امكان فتح طريق للدولة الحديثة في لبنان؟- "قضايا النهار" – 18/11/2009.


(استاذ جامعي)

← Back to Selected Articles