Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

العنف أيضاً وأيضاً... - حازم صاغية (الحياة)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

حين يقال، عملاً بوصف شائع، إنّ الجزائر «بلد المليون شهيد»، فهذا ما يوحي، عدداً ومعنى، أن العنف في ذاك البلد قد أُشبع حقّاً وأنّه استقرّ في جانب مضيء من الذاكرة الجمعيّة وهناك ارتاح. لكنّ الاندلاع اللاحق للحرب الأهليّة الجزائريّة جاء يقول إنّ العنف في ذاك البلد لم يستقرّ بعدُ على إشباع. فيومها تفنّن القتل في استعراض ذاته على النحو الذي يثير حسد النضال الجزائريّ ضدّ الفرنسيّين.

وفي مصر، كانت إحدى الحجج الأساسيّة وراء مبادرة الرئيس الراحل أنور السادات، والتي أفضت إلى سلام مصريّ – إسرائيليّ، وقف موت المصريّين في الحروب. وهذا غرض نبيل، بل ربّما كان أنبل أغراض السياسة. إلاّ أنّ السلام الذي نشأ لم يصبح شعبيّاً فبقي، حسب القول الرائج، «سلاماً بارداً» يقتصر على الحكومتين. فكأنّ أكثريّة المصريّين لم تتقبّل الفكرة التي حملها السادات إلاّ في أشهرها الأولى، وعندما تبدّى أنّ الأمر ليس وصفة خرافيّة لعلاج الفقر، عاد الطبع يغلب التطبّع العابر. وقد يقال إنّ السياسات الإسرائيليّة التالية لم تساعد خياراً سلميّاً كهذا، غير أنّ ذلك لا يكفي في تفسير الظاهرة التي تبقي الاتّهام بـ «التطبيع»، رغم انقضاء عقود ثلاثة على السلام، أشبه بجريمة موصوفة.

وهناك أمثلة عدّة لا تُحصى في الحياة والسياسة العربيّتين تنمّ عن عمق الخيار العنفيّ وتعدّيه الأنظمة إلى المجتمعات، والمجتمعات إلى الثقافات. فالموت الموسّع الذي يُنزله عراقيّون بعراقيّين، وبقاء المقاومة المسلّحة في لبنان بعد انسحاب الاحتلال، وتعاظم قوّتها المرصودة لـ... «تحرير مزارع شبعا»، تجد ما يكمّلها في اللغة السائدة. وقد تكفي نظرة سريعة إلى قواميسنا الإعلاميّة والثقافيّة، بل التربويّة، كي يتّضح الحضور الهائل للدماء والأشلاء والجهاد والشهداء والأعداء وأعمال السحق والتصفية والاجتثاث ممّا يتساوى الجميع في تجويده.

وقصارى القول إنّ البحث عن مصادر العنف في حياة الشعوب العربيّة، وهو ما استُعرض بعضه في «حرب كرة القدم الأخيرة»، لم يحظ بتاتاً بما يستحقّه. وكانت جريمة 11 أيلول (سبتمبر) قد شكّلت فرصة للالتفات إلى ذواتنا وعنفنا، إلاّ أنّ الصراع مع «الغريب» والتسييس الفائق للأفعال والمعاني، فوّتا علينا الفرصة تلك. وقد ناسبنا، في هذه المهمّة، أن يرتكب جورج بوش ما ارتكبه فيعفينا من مراجعة ليست قليلة الإلحاح.

والباحثون عن مصادر العنف سيجدون بعضها في الأنظمة والاحتلالات والفساد والقمع وأبويّة المجتمعات والتراتُب الميّت في الاجتماع والتعليم. بيد أنّ هذه جميعاً لن تقبل العلاج، أو أن علاجها لن يجدي كثيراً، ما لم يسبقه تعديل عميق في وعينا الضدّيّ – هذا الذي بموجبه ننظر إلى ذواتنا وإلى العالم. ففي ظلّ الافتقار إلى الوعي الإنجازيّ، أو الإيجابيّ، لن تتطوّر قيم مناهضة للعنف توسّع إدراكنا لما هو إنسانيّ وشامل واندراجنا فيه. وغنيّ عن القول إن النظر الضدّيّ يبدأ بـ «العدوّ» لكنّه يمضي لولبيّاً، في ظلّ تفتّتنا المجتمعيّ، فيوسّع رقعة الأعداء إلى أن يغدو الجار عدوّ جاره.

ومن شروط ذلك إنماء وعينا النقديّ الذي يعترضه فائض الشعور بأنّنا نملك كلّ الحقّ، وبأنّ غيرنا ينطوي على فائض العنصريّة والعدوانيّة. فمن يملك كلّ الحقّ لا يراجع نفسه، ولا يكون مدعوّاً إلى ذلك، خصوصاً أنّ الخصم هو من يحتكر العيوب فلا يترك له شيئاً منها.

والحال أنّنا لو وُجد لدينا اكتراث فعليّ باجتناب العنف واستبعاد الألم (وهو ما تبتذله بعض الحركات السياسيّة بشتم نظام ما أو حركة بعينها)، لأولينا هذه المسائل بعض اهتمامنا. لكنْ من اين يؤتى بهموم كتلك فيما ننفي أن يكون التقدّم تقدّماً؟

← Back to Selected Articles