Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

إمكان فتح طريق للدولة الحديثة في لبنان؟ - حسن منيمنة (النهار)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

عرّف ماكس فيبر الدولة بأنها: "مشروع سياسي ذو طابع مؤسّسي، تطالب قيادته في تطبيقها الناجح للأنظمة، إحتكار الاكراه البدني المشروع". والاحتكار، لا يعني أن الدولة شكل سلطوي منفصل بالكامل عن حركة المجتمع وقواه ، ولا يعني أيضاً إنتزاع كل مكونات القوة والفاعلية من المجتمع. بل الدولة وفق هذا التعريف، نقطة إرتكاز نهائية لأي نشاط سياسي، وثمرة عليا لأي مشروع مطلبي أو تغييري، والمصب النهائي لأية رؤية مجتمعة. فالدولة ليست مؤسسة مضافة إلى المجتمع، بل هي المجتمع نفسه منظوراً إليه في أعلى مستويات تنظيمه لنفسه، إنّها داخليته ومرجع هويته ومستند إستمرار وجوده.
بيد أن مشروع الدولة الحديثة في لبنان لا يزال في تراجع مستمر، ليس فقط بسبب تدخل إرادات دولية تمنع تحقق هذا المشروع، أو تعوّق حركة تحققه، بل بسبب واقع داخلي شارك اللبنانيون جميعاً، بنحو إرادي وإختياري حيناً وإكراهي ولا واع حيناً آخر، في خلقه وإيجاده، ما جعل تنفيذ مشروع الدولة بحكم المؤجل دائماً، وجعل أوجه الحياة في لبنان، السياسية والانمائية والاجتماعية والثقافية على وجه الخصوص، تدور في حلقة مفرغة، ماضيها مربك، وحاضرها فاقد لقدرة الدفع إلى الأمام، ومستقبلها ضبابي.
ويبدو أن سمات الدولة الحديثة، غائبة عن وعي معظم الشباب المتحزبين، وعن خطاب النخب السياسية والدينية والثقافية (أحياناً) المليء بمغالطات فاضحة، مقصودة أو غير مقصودة، حول ماهية الدولة وأصول العمل السياسي ومسلمات الهوية الوطنية. الأمر الذي خلق مشكلة المعنى والمرجع المشترك، الذي يمكن التسالم عليه لممارسة اللعبة السياسية والاحتكام إليه في حال الإختلاف. فلكل طرف تقريباً معجمه ومفرداته ومفاهيمه السياسية الخاصة، بل لكل طرف تفسيره وفهمه الخاصان للمصطلح السياسي المشترك، ما حوّل التعدد في لبنان، من تعدد ضامن للخصوصيات مقابل هيمنة المركز وشمولية الجامع، إلى خصوصيات مغلقة ومستبدة، تنـزع إلى إلغاء المركز وهيمنته وتعطيل بعض وظائفه ومزاحمته في البعض الآخر، وإلى تحويل الساحة السياسية من ساحة تنافس ومشاركة في إدارة الشأن العام وفق قواعد مقررة، إلى ساحة صراع بين إرادات وثقافات وإيديولوجيات، مفتوحة أدواتها على كل الإحتمالات، تجعل العمل السياسي خاضعاً بموجبها لمنطق الكسر والإنكسار، الهزيمة والإنتصار، التفرد والإقصاء.
وإذا كانت معضلة الديموقراطية في الغرب في وضع الضمانات الدستورية والمؤسسية من أجل حماية الجماعات الخاصة القومية والدينية داخل المجتمع، فإنّ معضلة الديموقراطية في لبنان تبدو في البحث عن الضمانات التي تحمي الدولة من هيمنة هذه الانتماءات والعصبيات الطائفية. واذ عبر أكثر مفكري السياسة عن مخاوفهم من النـزعة الشعبوية القومية التي تتستر بإسم عقلانية كونية تدمر جميع الانتماءات الاجتماعية والخصوصيات الثقافية، فإنّ أزمة الحياة في لبنان تكمن في غياب المجال العام الجامع، وفي ضعف الوعي بالدولة كشخص قانوني ومعنوي متميز عن الاشخاص الطبيعيين الذين يمثلونه، أي الحكام ووكلائهم الاداريين، وفي فقدان الحد الادنى من المعتقدات المشتركة والتمثلات العامة التي تبني الثقافة الوطنية الجامعة المطلوبة لاستمرار المجتمع السياسي.
ولا يمكن في هذا المجال فصل مسار الدولة ، عن مسار الدولة الحديثة في العالم العربي، الذي فشلت فيه دول ما بعد الاستقلال، في بناء مشروعية سياسية تقوم على العقد أو الشراكة في ممارسة السلطة، وأخفقت في إشباع الحاجات وتلبية التطلعات. وتحولت بعد إخفاقاتها المتتابعة نخبةً حاكمةً معنيةً بالحفاظ على مواقعها، أي نقلت الدولة من مجال العام الجامع إلى المجال الشخصي، وتحول الحكم من حالة الجامعية إلى أقلية متسلطة تضاف إلى أقليات المجتمع، ومن مرحلة الإيديولوجيا إلى مرحلة الاثنية الخاصة.
ربما كان غياب الدولة وإخفاقاتها المتتالية في تحقيق التوازن وتوفير الأمن، هو الدافع في تشكل قوى تضامنية وأحزاب سياسية في لبنان، لغرض ملء فراغات الدولة وتعويض غيابها. إلا أن ذلك أدى في المقابل إلى تطور فكر اللادولة وإلى تأسيس نظام قيمي وعلائقي، أي منظومة إعتقادات، تنافس فكرة الدولة نفسها، فتحولت تلك القوى من موقع الوسيط بين المجتمع والدولة إلى موقع المزاحم لدورها وحقيقتها، وأصبح وجودها متعاكساً مع وجود الدولة حيث كانت تنشط حين تضعف الدولة.
الترتيبات الدستورية التي ترافقت مع نشأة الكيان اللبناني، وإعتقاد بعض منظري الكيان اللبناني بأن خصوصية الكيان السياسي تكمن في طائفيته، ساعد التكوينات الطائفية على منافسة الدولة في وظائفها. حيث أصبحت الطوائف بموجب النصوص القانونية والدستورية، كيانات اجتماعية قائمة بذاتها بل شبه دويلات ضمن الدولة الواحدة، منفصلة في وجودها وتشريعها عن بعضها البعض، ومستقلة في ادارة شؤونها عن الدولة.
أصبح النظام اللبناني، بموجب الالتباس في منطق توزيع القوة فيه وتحديد المهمات، نظاماً تسووياً، والتسوية هنا، ليست تركيباً بين نقيضين، أو إنشاء كيان أعلى يعلو على التناقضات ويستقل عنها ويمكنه تجاوزها في مرحلة من مراحل تطوره ونموه. بل قام على التساكن بين النقائض، التي سرعان ما تستعيد زمام المبادرة لتقوض الكيان بأسره وتهدد بسقوطه. وهذا يفسر غياب المجال العام، وغياب الدولة كمرجعية مؤسسية يحتكم اليها حتى في لحظة إزدهارها الاقتصادي، لأنها لم تكن منذ البداية مجالاً عاماً مستقلاً ومتحصناً ضد تضخم المجال الخاص. فالنظام اللبناني، تعامل منذ البداية مع الطوائف كوحدات مستقلة بالكامل عن الدولة، وأنشأ لها صلاحيات ذاتية خاصة بها، جعلها قادرة على منافسة الدولة نفسها في مساحة واسعة من السلوك الفردي والعلاقات الاجتماعية ، ما أقصى الدولة نفسها عن مساحة واسعة من مساحات المجال العام، وترك للطائفة بتكوينها الداخلي أن تملأه وتحدده.
أدى هذا الأمر إلى تحويل الطائفة كياناً سياسياً مغلقاً، بمعنى نشوء نظام مصالح داخلية داخل الطائفة، وشبكة قوى دفاعية فيه، جعل من الطائفة كياناً سياسياً، لا مجرد أقلية دينية أو ثقافية، وجزءاً عضوياً من بنية النظام اللبناني، لتحتل موقع الوسيط الحصري والحتمي بين الفرد والدولة، وتتخذ أشكالاً سياسية ذات ظاهر إيديولوجي وسياسي وتحريري، إلا أنها محكومة في عمقها وبنيتها لإعتبارات طائفية ومذهبية.
هذا جعل من الهوية الطائفية هوية عضوية، تمنع تشكل أي مجال تضامني خارجها أو مستقل عنها، وتقيم ملازمة بين الانتماء الوطني والانتماء الطائفي، وتوثق الربط بين الاستقرار السياسي والاستقرار الاجتماعي، الامر الذي جعل من القضية السياسية قضية اجتماعية وثقافية ودينية ايضاً تعرّض المجتمع اللبناني في اوقات الازمات السياسية الى الانقسام والتصدع. ومكّن الرموز الطائفية في لبنان، من الاستغلال والتحريك المنظم لأنماط القلق الأكثر بدائية داخل كل طائفة، وشجع هذه الرموز على طرح نفسها قيادةً ملهمة، تقدم تمثلات معقولة وعقيدة متماسكة لإدراك العالم وإنتاج الواقع، تحل كل طائفة من خلالها أزمة القيم العميقة في داخلها وتسكن بها قلقها الخاص حول هويتها ومستقبلها.
ورغم ان إتفاق الطائف، شكل بداية مهمة للعبور من دول الطوائف الى الدولة الجامعة، إلا أن محاوره الأساسية لم توضع لتنفذ، لا بسبب تحكم الخارج فحسب، بل بسبب فقدان القوى المحلية الدافعة لتنفيذ هذه البنود، مع عجز أو عدم رغبة قوى ما بعد الطائف في إيجاد أو إبتكار مجال سياسي جامع ينتج تضامنات مجتمعية عابرة للطوائف، ويعيد تشكيل المركز السياسي الذي هو الدولة. بل تجد أن هذه القوى إستمرت في تعزيز هامش اللادولة وتنمية الأطراف على حساب المركز. فبدا الواقع اللبناني، بحكم ركاكة مركزه السياسي وسطحية الولاءات الوطنية وهشاشة التضامنات المجتمعية، بحاجة دائمة إلى مركز سياسي أجنبي يضبط إختلافاته ويمنع حالات التفجير الداخلي. وهو ما أغرى ولا يزال يغري أكثر من نظام خارجي في لعب دور الناظم السياسي للبنان، ودفع أكثر القوى المحلية إلى البحث عن نقطة إرتكاز خارجي تسند بها صراع وجودها الداخلي، ما جعل من لبنان ساحة صراع خارجي بأدوات محلية، أو ساحة صراع محلي على إيقاع إستراتيجيات مرسومة في الخارج.

مقاربات البحث في المؤتمر
من هنا معضلة الدولة في لبنان، يحكمها إلتباس على مستوى المفهوم والوظيفة والدور، وموانع داخلية ومعوقات بنيوية يتمثل بعضها في أصل إنشاء الكيان والترتيبات السياسية والتشريعات القانونية وقواعد توزيع الموارد في لبنان، ويتمثل البعض الآخر في التكوين الاجتماعي والمخيال الثقافي والإنتماءات الثقافية والدينية والتضامنات الحزبية، والأهم من ذلك كله، فإن أزمة تحقيق مشروع الدولة الحديثة في لبنان، تتمثل في غياب الدينامو وقوة التحكم الذكية، التي تحمي الكيان اللبناني من التصدع، وتصوب مسار الواقع اللبناني، بشتى مظاهره وتكويناته، في إتجاه تحقيق إستقرار أمني ونماء دائم وحياة إنسانية كريمة. لذلك فإن البحث في الدولة الحديثة في لبنان، يتطلب معالجة ثلاثة أمور:
أولها نقد الواقع عبر النظر في أزمة النظام السياسي في لبنان، ودراسة تعقيدات الواقع اللبناني وأبعاده السياسية والثقافية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، وتشخيص معوقات وموانع تحقق الدولة الحديثة في لبنان.
ثانيها: تقديم نموذج الدولة الحديثة عبر طرح بنية وهيئة الدولة المطلوب تحقيقها في لبنان. وهو جانب نظري يتعرض لسمات الدولة الحديثة الملائمة للبنان، ويقدم مقترحات دستورية وقانونية وسياسية، لتنظيم الحياة السياسية في لبنان وتعزيز المركز السياسي الذي يضمن حفظ الخصوصيات ويعزز روح المواطنة.
ثالثها: الطريق إلى تحقيق الدولة الحديثة: عبر طرح إستراتيجية تحقيق الدولة الحديثة، وإقتراح آليات وترتيبات بنيوية كفيلة بخلق حراك إجتماعي وثقافي وسياسي وإقتصادي، قادر على الإنتقال بالحياة السياسية من النشاط العقيم والتأزم الدائري المغلق، إلى دينامية ذاتية ذات مسار تصاعدي تراكم الجهود وتتخطى العقبات وتحكم تحصين الدولة والمجتمع ضد أي طارئ خارجي أو صدمة داخلية.

← Back to Selected Articles