سلاح حزب الله في البيان الوزاري يمدّد مفاعيل اتفاق الدوحة - نقولا ناصيف (الاخبار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ينطوي التفاهم على تضمين البيان الوزاري لحكومة الرئيس سعد الحريري ما أورده البيان الوزاري لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة، على تسليم آخر باستمرار مفاعيل اتفاق الدوحة، ويمنح أدلة إضافية على أنه لا يزال الوثيقة الرئيسية، وتكاد تكون الوحيدة، النافذة والضامنة توازن القوى الداخلي الذي أفضت إليه أحداث 7 أيار 2008، ثم جاء الاتفاق كي ينظّمه ويلزم الأفرقاء جميعاً الانضباط فيه واحترام أحكامه، واعتباره - كما قيل سابقاً عن اتفاق الطائف - بديلاً من الاحتكام إلى الشارع والحرب الأهلية.
على نحو كهذا، رسم اتفاق الدوحة، شاء الأفرقاء هؤلاء أو لم يشاؤوا، إطار المرحلة المقبلة من الحكم حتى انتخابات 2013، بعدما كان قد حدّد عام 2008 آلة الحكم وتوازن القوى الذي يشرف عليها حتى موعد انتخابات 2009. بعد الانتخابات الأخيرة، بدا أن لا شيء تغيّر عمّا خَلّفته أحداث 7 أيار وتوقيع اتفاق الدوحة: الرئيس ميشال سليمان يلتزم دوره التوافقي، حكومة وحدة وطنية تراعي توازن الأحجام بين قوى 8 و14 آذار بعيداً من نتائج الانتخابات ومعاييرها، استمرار طاولة الحوار الوطني، إبقاء سلاح حزب الله في منأى عن الجدل داخل مجلس الوزراء. وهكذا عاد اتفاق الدوحة مظلة الاستقرارين السياسي والأمني، متمتّعاً بهيبة واحترام فقدهما على مرّ العقدين المنصرمين اتفاق الطائف عندما أكثَرَ السياسيون من تفسيره وتأويل أحكامه وانتقاده، وبعضهم لم يرَ حرجاً في تعديله رغم أنه أضحى نصاً دستورياً. ليست هذه حال اتفاق الدوحة الذي لا يعدو كونه اتفاقاً سياسياً على بنود، عدّها موقّعوه عابرة وانتقالية واستثنائية. مع ذلك لم يتنصّل منه فريق، أو يدّعي أنّ بإمكانه الانقلاب عليه وانتهاك أحكامه، وسلّم الجميع، بشهادة حكومة الحريري، بأن بنوده تكاد تصبح أعرافاً.
يصحّ ذلك على سلاح حزب الله، إذ يتعيّن على حكومة الحريري التعامل معه على أساس أنه عامل استقرار أكثر منه مبرّراً للفوضى، ما دام أصبح على طاولة الحوار، وراح الأفرقاء الجالسون إليها يقاربون موضوعه على اعتبار أنه جزء من حلّ وليس مبرّراً لمشكلة. فانتقل البحث من سبل تخلّي حزب الله عن سلاحه، إلى الخوض في استراتيجيا دفاعية لحماية لبنان، والنظر إلى سلاح الحزب عندئذ كإحدى وسائل الحماية والدفاع عن لبنان، بعدما قيل بين 2006 و2008 إنه أداة استدراج إسرائيل إلى الاعتداء عليه وتدميره. وبعدما عدّته الموالاة سبباً لانفجار فتنة سنّية - شيعية، صار تجاهل الخوض فيه أحد عناصر الاستقرار.
كذلك يدخل الموقف المشترك للحكومة اللبنانية من سلاح حزب الله، بمعزل عمّا يدلي به بعض أفرقائها خارج مجلس الوزراء، في صلب تطبيع العلاقات اللبنانية - السورية، التي اقتصرت حتى تأليف حكومة الحريري، على طرفين عملا لهذا التطبيع وتنشيط علاقات البلدين وإخراجها من مأزق الأعوام الأخيرة، هما رئيس الجمهورية وقوى 8 آذار، كلّ لأسباب مختلفة؛ الأول بحكم موقعه الدستوري الذي يحتّم عليه فتح حوار مع سوريا يضمن الاستقرار في لبنان، ناهيك بصداقة وطيدة تجمعه بالرئيس بشار الأسد، والأخيرين بحكم تحالفهم مع دمشق لحفظ نفوذها في لبنان. كان موقف الرئيس والمعارضة من دعم المقاومة واحتفاظ حزب الله بسلاحه والتعامل معه على أساس أنه مقاومة، إحدى الضمانات الرئيسية التي مكّنت من إعادة بناء علاقات البلدين، وقت كانت قوى 14 آذار على النقيض منهما. منذ اتفاق الدوحة، قبل عام ونصف، انقلبت التوازنات رأساً على عقب. خرج رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط من قوى 14 آذار وبات خطابه السياسي في سلاح حزب الله والمقاومة وإسرائيل وسوريا حتى، متطابقاً مع موقف الحزب وحلفائه في المعارضة. ويستعد الحريري لزيارة دمشق والاجتماع برئيسها لطيّ صفحة قاسية بين الطرفين منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري. يضاعف أهمية زيارة دمشق أن الحريري، وهو يحرص على القيام بها كرئيس للحكومة اللبنانية، لا يستطيع التخلّي عن الصفتين الأكثر التصاقاً به من المنصب وهو يجتمع بالأسد، وهما أنه ابن الرئيس الراحل وزعيم الغالبية النيابية التي قادته إلى رئاسة الحكومة. بذلك يختلط الشخصي والعائلي بالسياسي.
واقع الأمر أن الحريري يمهّد للزيارة بأكثر من سبب لإنجاح تجربة حكومته: إعطاء المعارضة الحصة التي ألحّت عليها، لملمة وحدة حلفائه في قوى 14 آذار، تأكيد تفاهمه مع رئيس الجمهورية، اتخاذ موقف إيجابي من سلاح حزب الله لم يظهر تماماً إلى العلن بعد. ولأنه مَن سيقرأ البيان الوزاري في جلسة البرلمان لنيل الثقة، يقترب الحريري ببطء من موقف جنبلاط حيال سلاح حزب الله. ذلك أن الفقرتين الأكثر إثارة للجدل في البيان الوزاري الجديد، شأنه شأن السابق، هما الفقرتان 7 و24. وسيكون الحريري مدعواً إلى تفادي ما أخفق السنيورة في معالجته بمجلس الوزراء في جلسة إقرار البيان الوزاري مساء 4 آب 2008، لإضفاء صفة الإجماع عليه، عندما تحفّظ أربعة وزراء هم نسيب لحود ووزير حزب الكتائب إيلي ماروني ووزيرا القوات اللبنانية إبرهيم نجار وأنطوان كرم عن الفقرة 24 المتعلقة بـ:
- حق لبنان شعباً وجيشاً ومقاومة في تحرير أو استرجاع مزارع شبعا (...) بكل الوسائل المشروعة والمتاحة.
- التزام القرار 1701.
- وضع استراتيجيا وطنية شاملة لحماية لبنان والدفاع عنه يتفق عليها في الحوار.
الفقرة 24، لا الفقرة 7 التي تتحدّث عن وحدة مرجعية الدولة في سياستها العامة، هي بيت القصيد.