من هو الرئيس المقبل؟ - ساطع نور الدين (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
ليس من السهل على اي انسان مهما تقدم به العمر ان يرى المحيطين به، من محبيه وكارهيه، يكتبون نعيه، ويختلفون على ميراثه، وينظمون جنازته، بل وحتى ينطلقون في موكب تشييعه قبل ان تعلن وفاته رسميا.
لكن هذا بالتحديد ما يحصل في مصر هذه الايام: الرئيس المصري حسني مبارك الذي بلغ الحادية والثمانين، امضى منها 29 سنة في الرئاسة، يتابع هذه الوقائع التي تجري امام عينيه، من دون ان يعترض او ان يتدخل او حتى ان يبدي رأيا، بل يكتفي بأن يكلف بعض القريبين منه، الذين يتناقص عددهم تدريجيا، بردود عابرة تكاد تختزل بالعبارة الشهيرة « الأعمار بيد الله».
لكن تنظيم الجنازة بدأ منذ مدة، وانتقل الحديث عنها من الغرف المغلقة الى العلن، وتخلله في بعض المراحل كلام جدي سرعان ما فرغ من اي مضمون، عن توريث الرئاسة الى نجل الرئيس مبارك، جمال، الذي صار في الآونة الاخيرة جزءا من النعي او الفراغ، بعدما كاد يتحول في نظر مريديه الى خليفة او على الاقل الى جزء من الخلافة الشاغرة الآن.. والتي ستبقى شاغرة حتى اعلان الوفاة، في ظل سؤال يتردد اليوم على كل شفة ولسان في مصر: من هو الرئيس المقبل؟
الكاتب محمد حسنين هيكل قدم في حواره الاخير مع صحيفة «المصري اليوم» المعارضة، واحدا من اهم وأفضل الاجوبة على هذا السؤال؟ وضع فكرة التوريث في خانة العيب بحق مصر، ولم يطلب من الرئيس مبارك تعيين نائب للرئيس كما فعل سلفه انور السادات معه، على ما يتمنى بعض الطامحين للرئاسة، وحذر من ان ازمة الفراغ تؤدي الى فوضى وربما الى ما هو اسوأ. لذلك اقترح إنشاء مجلس أمناء للدولة والدستور، برئاسة مبارك شخصيا، وعضوية عدد من كبار الشخصيات السياسية والعلمية والفكرية والاقتصادية والعسكرية المصرية، لكي تشرف على مرحلة انتقالية تتضمن تشكيل حكومة مؤقتة وصياغة دستور جديد وتنظيم استفتاء شعبي، تقود في النهاية وبعد عامين، هي الفترة المتبقية من ولاية الرئيس الحالية، الى تسلم الرئيس الجديد لمقاليد السلطة.
يتوج هذا الاقتراح الذي عرضه هيكل بصفة خدمة اخيرة يطلبها من مبارك لمصر، جدلا احتدم في الفترة الاخيرة، ولا يقطعه سوى بعض الظرفاء المصريين بالقول ان الرئيس لن يموت الا رئيسا ولن يتخلى عن ترشيح نفسه لولاية سادسة في العام 2011. لكنه اكتسب بعدا جديدا مع الردود والتعليقات التي أثارها الاقتراح الآتي من احد آخر وأهم صناع القرار المصري في نصف القرن الماضي، والتي تخطت فكرة الاعتراف الضمني بأن الموت حق على كل انسان، لتجادل في التفاصيل والاسماء والصيغ والمهل، وتتضمن الكثير من سوء الفهم لمجلس الامناء ودور اعضائه او للحكومة المؤقتة او للدستور الجديد.
الجنازة مستمرة، وهي مهيبة فعلا: الراحل الكبير يستحق التقدير، والمشيعون يستحقون الثناء، ومصر تستحق الانتقال السلمي والهادئ من فترة انتقالية، امتدت طويلا.