الحريري ـ عون: نقيضان لا يصنعان حكومة وحدة وطنية - نقولا ناصيف (الاخبار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
أعاد الرئيس ميشال عون مشاورات تأليف حكومة الوحدة الوطنية إلى المحطة التي لم تبرحها قط، على وفرة ما أشيع في الأيام الأخيرة من انطباعات إيجابية. وهو أن أي تفاهم جدّي بينه وبين الرئيس المكلف سعد الحريري لم يحصل حقاً، وأن العلاقة الشخصية، والحرارة التي أوحياها في لقاءات متكرّرة، ليستا كافيتين لبناء الثقة بين شخصيتين لا يجمعهما إلا التناقض في كل شيء تقريباً. وإلى أن تقع مفاجأة تحمل أياً منهما على التخلي عن شروطه وتصلّبه، لا حكومة في المدى القريب. ولا تضاهي أسباب عدم التأليف إلا طبيعة مقاربة كل من الرجلين هذا التأليف:
أولها، أن الخلاف كان ولا يزال منذ أول تكليف للحريري، في 27 حزيران، يدور حول إصرار عون على حقيبة الاتصالات، وفي أحسن الأحوال يقبل بالتنازل عنها بحقيبة تماثلها أهمية. كان التمسّك بحقيبة الاتصالات والحصول عليها هو القاعدة، والمقايضة هي الاستثناء. لم يتزحزح عون عن هذه المطالبة يوماً. ولم تكن حقيبة الاتصالات مطلباً ثانياً بعد أول هو إعادة توزير جبران باسيل في الحكومة الجديدة. بل عدّ هذا التوزير، من اليوم الأول للتكليف الأول، شرطاً أساسياً لقبوله التفاوض مع الحريري.
وفي الواقع، بعدما تخلى الرئيس المكلف عن رفضه توزير باسيل بسبب خسارته انتخابات 7 حزيران، فُتح باب الحوار جدّياً بين الرجلين انطلاقاً من اقتناعين متعارضين: ظنّ الحريري أنه يفاوض الجنرال للمرة الأولى بلا شروط، فيما رأى عون أن الحوار يستكمل ما كان قد بدأ وأخفق، وهو حصوله على حقيبة الاتصالات.
على طرف نقيض من محاوره، تصرّف الحريري في التكليف الأول ثم الثاني، على أساس أن لا التزام له حيال أي فريق آخر سوى تأليف حكومة وحدة وطنية وفق معادلة 15+10+5. وعلى طرف نقيض منه أيضاً، لم يعدّ حقيبة الاتصالات وتوزير باسيل ثابتتين في التفاوض مع عون، وأن مناورة طويلة من تجاذب المواقف بينهما على الشروط والشروط المضادة تنهك عون، وتجعله يتخلى عن أحدهما، أو في أحسن الأحوال يتفق الحريري معه على أحدهما: توزير باسيل أو حقيبة الاتصالات. تدريجاً، تيقّن الرئيس المكلف أنه عاجز عن إقناع عون بتسوية غير مذلة بينهما.
ثانيهما، لم يأخذ الحريري في الحسبان المعادلة التي يراها عون شرطاً أساسياً لمشاركته ـــــ والمعارضة ـــــ في حكومة الوحدة الوطنية، وهي انتزاعه من الرئيس المكلف اعترافاً صريحاً بأنه الممثّل الأقوى للمسيحيين. قوّم الحريري الموقف على نحو مختلف عندما ساوى بين عون والأفرقاء المسيحيين الآخرين في قوى 14 آذار في حساب بسيط: في الأكثرية 37 نائباً مسيحياً في مقابل 27 نائباً مسيحياً في المعارضة، ما يعني أن التمثيل المسيحي يرجح في الموالاة التي تجسّد عندئذ الغالبية المسيحية، إلا أنه اختار مساواة مسيحيي المعارضة بمسيحيي قوى 14 آذار حلفائه وحاول تقسيم الحقائب بينهم، على أن كلاً من هؤلاء فريق في ذاته ذو حصة مستقلة، وكذلك عون.
ما لم يتخلَّ أحدهما عن شروطه، فلا حكومة في المدى المنظور
في المقلب الآخر كان الحساب متناقضاً تماماً: تضم كتلة عون 24 نائباً مسيحياً بينهم 19 نائباً مارونياً، أي أكثر من نصف النواب الموارنة في تكتله وحده، إضافة إلى ثلاثة نواب مسيحيين خاضوا انتخاباتهم بعيداً من التحالف مع الجنرال، كنائبي الحزب السوري القومي الاجتماعي والنائب ميشال موسى، بينما تضم أحزاب الكتائب والقوات اللبنانية والوطنيين الأحرار والمستقلون 16 نائباً مسيحياً، بينهم 11 نائباً مارونياً، ويتوزّع النواب المسيحيون الآخرون على تيار المستقبل (12 نائباً بينهم مارونيان) واللقاء الديموقراطي (5 نواب بينهم 3 موارنة)، إلى حلفائهما في بيروت (4 نواب مسيحيين). تبعاً لهذا الحساب لا يضع عون نفسه في منزلة موازية للأحزاب المسيحية في الموالاة. طلب نصف مقاعد الموارنة في الحكومة (3 وزراء) فأعطي إياها، وتوزّع النصف الثاني رئيس الجمهورية وحزبا الكتائب والقوات اللبنانية.
إلا أن محكّ هذه الحصة هو اقترانها بحقائب تعبّر عن واقع هذا التمثيل. لا يسع الحريري في المقابل إهمال ثلاثة حلفاء موارنة رئيسيين له هم الرئيس أمين الجميل والنائب بطرس حرب والدكتور سمير جعجع يرغب في مشاركتهم بالحكومة، فيما لا يحمل بين يديه إلا مقعدين مارونيين. يؤول ذلك إما إلى استبعاد حرب أو مساومة الجميّل أو جعجع على التخلي عن مقعد ماروني. الأمر الذي يرفضانه.
ما يبدو مهماً بالنسبة إلى عون في هذه المواجهة، تثبيت زعامته المسيحية المنبثقة من انتخابات حزيران، فيعكسها تمثيله في الحكومة الجديدة، والاعتراف به شريكاً موازياً لزعماء الدروز والسنّة والشيعة. ولا تبدو وجهة النظر هذه مقنعة للحريري الذي يختلف في تقويمه زعامة عون، فلا يراه إلا أحد زعماء الموارنة، لا أكثرهم تمثيلاً، لأن النواب المسيحيين في تحالف الموالاة أكبر عدداً.
ثالثها، أن عون يجعل من مشاركته في الحكومة وإصراره على حقائب رئيسية كالاتصالات أو الأشغال العامة والنقل أو المال أو العدل، باباً واسعاً للإصلاح. ولا يعني هذا الموقف، حتى في عزّ حرارة اجتماعاته بالحريري وقولهما أنهما يحاولان بناء ثقة، إلا تأكيده أن الإصلاح الذي ينشده يمثّل إدانة للمرحلة السابقة، سواء في ظلّ حكم الغالبية (والرئيس المكلف أحد شركائه) أو في ظلّ حكومات الرئيس الراحل رفيق الحريري.
بذلك تصبح الثقة المتبادلة المفقودة بينه وبين الحريري بلا مغزى ما دام يريد هذه المواجهة من داخل مجلس الوزراء.