الغالبيّة أبدلت أكثريتها بالتوافق وتخلّت عن ورقة مساومة رابحة - نقولا ناصيف (الاخبار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
أعاد رئيس المجلس نبيه برّي في اجتماعه البارحة مع الرئيس المكلّف سعد الحريري، على هامش جلسة مجلس النواب، تأكيد دعوته البرلمان إلى انتخاب أعضاء لجانه الدائمة الثلاثاء المقبل. لم يستجب مطلب الحريري تأخيرها أكثر من أسبوع، إلا أن برّي غير متيقن من الموقف الذي ستتخذه الغالبية في جلسة الثلثاء، حضوراً للاقتراع أو تعطيل نصاب الجلسة. يتمسّك بدعوته لإنجاز هذا الاستحقاق، وقد ضاعف من إصراره عليه ما أشاعه أمامه الحريري من احتمال إبصار الحكومة النور قبل الثلاثاء. قال له إنه ينتظر عودة رئيس الجمهورية ميشال سليمان اليوم من مدريد كي يناقش معه الحصيلة الأخيرة لمشاوراته، وإن تفاهمه مع الرئيس ميشال عون قطع شوطاً مهماً، وهما متفقان معاً. إذاً بحسب الانطباعات الإيجابية التي عبّر عنها الحريري أمام برّي، تأليف الحكومة وشيك.
لا يتدخّل برّي في المداولات التي يجريها ممثلو الكتل لعقد تسوية على انتخاب أعضاء اللجان ورؤسائها والمقرّرين، ويدعم التوجّه الذي يقوده هؤلاء بإبقاء القديم على قدمه وفق معادلة ما كان عليه برلمان 2005، عندما توزّعت حصص الكتل ـــــ ومن خلالها الغالبية والأقلية ـــــ وفق معادلة 71 نائباً للأولى، و57 نائباً للثانية. ولأن انتخابات 2009 ثبّتت المعادلة والتوازن والأحجام إياها، سيحافظ الطرفان وكتلهما على تقاسم رئاسات اللجان، ولا سيما الرئيسية، وكذلك على توزّعها الطائفي حالياً وفق المعيار نفسه.
كل ذلك ورئيس المجلس على صيامه عن الكلام. يراقب من دون الانضمام إلى جهود الرئيس المكلف في إزالة العراقيل من طريق التأليف، رغم مطالبة الأخير له بذلك، مباشرة وبالواسطة، تاركاً للحريري ـــــ شأن ما يفعل رئيس الجمهورية ـــــ تذليل العقبات بنفسه.
أما مغزى ما انتهت إليه جلسة انتخاب هيئة مكتب المجلس، فيكمن في الآتي:
1ـــــ لم يطل تلويح بعض غلاة قوى 14 آذار باستخدام الأكثرية التي تمثّلها في المجلس لربط الاتفاق على تأليف الحكومة بانتخاب هيئة المكتب واللجان، والتهديد المباشر بأن استمرار عرقلة التأليف سيحمل الغالبية على السيطرة على كل اللجان الرئيسية. لم يؤيد الرئيس المكلف وجهة النظر هذه، رغم تحبيذه تأجيل انتخاب اللجان أكثر من أسبوع. بيد أنه في المقابل لم يشأ وضع مزيد من الصعاب في طريق تأليف الحكومة، وتحمّل مسؤولية ما كان قد رفضه منذ ما قبل تكليفه الأول: عندما يتحفّظ عن تأليف حكومة الغالبية، حرّي أن يبتعد عن سيطرة الغالبية على اللجان الرئيسية في البرلمان. كلا الخيارين دستوريان، لكنهما يخلّان سياسياً بتوازن القوى ويوصدان أبواب الحوار، ولا يضمنان حقاً انتظام عمل المؤسسات الدستورية.
2ـــــ أبرز ما خلصت إليه القمّة السعودية ـــــ السورية في دمشق، بالإضافة إلى عدم تدخّل البلدين في الأزمة الحكومية وترك اللبنانيين يتوصّلون إلى توافقهم بأنفسهم، كان اتفاق الرياض ودمشق على إدارة توازن داخلي في لبنان يلائم نتائج انتخابات 2009 مع الواقع الميداني ويحول دون إيقاظ فتنة مذهبية أو استخدام الشارع لحسم خلاف سياسي. لا يكسر أي من طرفي النزاع
الحريري طمأن برّي إلى تفاهمه مع عون، ورجّح الحكومة خلال أيام
اللبناني الآخر، ولا يحمله على الإذعان له، ولا تضغط السعودية وسوريا على حلفائهما استرضاء لفريق بغية تغلّبه على منافسه. وهكذا، بعدما حدّدتا السقف السياسي للاعبين اللبنانيين بحكومة وحدة وطنية وفق معادلة 15+10+5، يتصرّف هؤلاء تبعاً لمنطق مزدوج: استمرار الحوار تحت هذا السقف إلى أن يتفاهما مهما طال أمد الحوار، وإبقاء الشارع في منأى عن مآزقهما السياسية.
لم توصد المعارضة أبواب التسوية على تأليف الحكومة الجديدة، وأبدت استعداداً للمرونة لبلوغ سلة مساومات تفضي إلى حكومة الوحدة الوطنية. في المقابل، لم تلجأ قوى 14 آذار إلى سلاح غالبيتها، وجارت وجهة النظر القائلة بفصل استحقاق الحكومة عن استحقاق انتخاب هيئة مكتب المجلس واللجان ثم أعضائها ومقرّريها. بذلك أخفق سعي بعض غلاة الموالاة إلى صفقة متكاملة تشمل الاستحقاقين معاً، فلا يخرج أي من قوى 8 و14 آذار خاسراً منهما، ويثبّتان الإقرار المتبادل ليس بتوازن القوى فحسب، بل أيضاً بامتلاك كل منهما مقدرة على التعطيل. لم يكن من السهل توقع موافقة المعارضة على هذا الربط.
3ـــــ يتفق الرئيس المكلف مع المعارضة، ولا سيما عون، على أن تأليف حكومة الوحدة الوطنية ينبغي أن لا ينبثق من «تسوية مذّلة» للحريري برضوخه لكل شروط المعارضة، فلا تكون الحكومة نفسها «وصفة إذلال»، ولا تجاهل قوى 8 آذار وحجمها التمثيلي وأخصّه المسيحي في توزيع الحقائب. وعلى وفرة الاقتراحات المتداولة في الساعات الأخيرة عن حلول وشيكة تبصر النور قبل نهاية الأسبوع الجاري، لا تزال الانطباعات الإيجابية عن تداول هذه الاقتراحات تفتقر إلى الجدّية. على الأقل بالنسبة إلى الجنرال الذي لا يبدي اكتراثاً فعلياً بما تردّد ـــــ وإن من باب التطمين ـــــ عن وضع حقيبة الاتصالات في عهدة رئيس الجمهورية، فلا تذهب إلى عون ولا إلى تيار المستقبل.
واقع الأمر لمن اطلع على موقف عون مساء أمس بإزاء ما يشاع، يعكس لامبالاته حيال الإيجابية المروّج لها، إلا أنه لا يبدو مهتماً بتوزيع الحقائب على سواه، مقدار اهتمامه بالحصة التي يريد الحصول عليها.