Skip to content
Democratic Renewal Movement
Selected Articles/

قمة سورية سعودية مصرية في القاهرة خلال أسابيع تمهد لمصالحة - عباس ناصر (السفير)

An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.

كان يكفي انعقاد القمة السورية السعودية في دمشق، حتى ينخفض مستوى البطالة السياسية في بيروت. فاللبنانيون عادوا إلى ممارسة السياسة، بمفهومها اللبناني طبعا، بعد أن انتهت فاعلية التعطيل. وبعودتهم الميمونة إلى الهواية التي لا يحترفها إلا قليلهم، تراجع سؤال الحكومة، شكلها وجوهرها، إلى استفسار حول المدى الزمني الذي يحتاجه اللبنانيون لتسييل توافق محيطهم في حكومة الوحدة الوطنية العتيدة، علما بأن تشكيل الحكومة لن يؤكد، والحال هذه، إلا أمرأ واحدا: قد لا يحتاج اللبنانيون إلى قرار خارجي لكي يختلفوا، لكنهم بالتأكيد لا يتفقون من دونه.
لا مانع إذاً أن يتفق اللبنانيون، بل يجب أن يتفقوا، هكذا أعلن الجوار، القريب منه والبعيد، بلغاته ولكناته المتعددة بما في ذلك انكليزية «العم سام». أما السيادة التي تُخدش عند كل استحقاق كبير، فتضمدها ضرورات الوحدة الوطنية. فكيف والحال أن الوحدة هذه المرة هي وحدة العرب، تعيد ما انقطع بينهم، وتساعد في ترتيب أمورهم مع محيطهم القريب فالبعيد فالأبعد.
مسودة التسوية الداخلية
لا حاجة لكبير جهد لملاحظة مدى الارتياح البادي على وجه رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري. هو مرتاح لما يسمعه من شركائه في المعارضة. وهو مرتاح أصلا لما وصله من معلومات بأن دمشق أطلعت قيادة المعارضة على محصلة القمة: حكومة وحدة وطنية ضرورة الإسراع في تشكيلها، ذلك أن التأخر في التشكيل قد يعيق مسار المصالحة العربية ـ العربية وما بين العرب والجمهورية الإسلامية في إيران. إذ أن جسرا بين الرياض وطهران يعمل على بنائه من خلال سوريا وتركيا وقطر، وأن حكومة الوحدة في لبنان ستكون أولى المؤشرات على إمكان الشروع في ذلك البناء.
يخوض الرئيس المكلف مشاورات «التأليف الثاني» في مرحلتها الأخيرة، مستندا إلى أن المعارضين سوف يبادرون إلى تقديم تنازلات كما تنازل هو عندما تراجع عن مبدأ عدم توزير الراسبين في الانتخابات النيابية. لذا حاول الرجل أن يكرس بعض المبادئ في حوار التشكيل الفعلي الذي يتوقع أن ينتهي الأسبوع المقبل، وهو ثبت الآتي:
المداورة في الحقائب غير السيادية فقط.
مراعاة التوازن في توزيع الحقائب وفي رئاسة اللجان النيابية، بحيث يتم انتخاب رئيس اللجنة النيابية من جهة سياسية غير الجهة التي تمنح لها الحقيبة الوزارية المعنية بها اللجنة.
حق كل فريق بتسمية وزرائه.
في هذه الأثناء، حصل سعد الحريري على تفويض داخلي جديد من حلفائه في قوى الرابع عشر من آذار، خلال الاجتماع الأخير الذي جمعه بهم بإدارة الملف الحكومي كما يراه مناسبا.
وبنتيجة المشاورات فقد تم الاتفاق على توزير بطرس حرب في حال قرر الجنرال ميشال عون توزير صهره وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، على أن يحسب كحصة مشتركة مع «القوات اللبنانية»، التي ستحصل والحال هذه على ماروني آخر وكاثوليكي يأخذ من حصة رئيس الجمهورية الذي سيعوض بأرثوذكسي. وبهذا التعديل بأخذ كاثوليكي بدل الأرثوذكسي، تحل مشكلة زحلة أيضا، التي سيشملها التوزير في هذه التشكيلة الثلاثينية.
بهذا المعنى يكون الحريري قد ذلل العقبات في التوزيع بين المعارضة والموالاة، وذلل عقبات التوزيع داخل فريق الأكثرية. لتبقى عقبة التوزيع داخل المعارضة. وهنا يقول العارفون إن مسودة التسوية تناقش الآتي:
يُمنح عون خمس حقائب بدل أربع، من دون الاتصالات طبعا، على أن يمنح وزارة الصحة كاقتراح ووزارة أخرى يتنازل رئيس مجلس النواب نبيه بري له عنها كاقتراح أيضا، استنادا إلى الاعتقاد بأن دمشق طلبت من حركة «أمل» و«حزب الله» تقديم تنازلات لمصلحة تسريع تشكيل الحكومة. وبذلك يقدم عون كمنتصر في التفاوض الحكومي من دون ان يبدو الحريري مهزوما. لكن هل يقبل نبيه بري بذلك؟
يقول مطلعون على المفاوضات ان ميشال عون قال للحريري خلال اللقاء الأخير بينهما، «لا تدخلني بمتاعب مع الرئيس بري، أنا لن أناقش معه امرا كهذا، انت رئيس الحكومة المكلف، اعرض علي ما تراه مناسبا وأنا اقبل او ارفض» وبالتالي فإن العقدة «ما تزال في هذا الشق المتعلق بتوزيع الحقائب داخل فريق المعارضة» من وجهة نظر فريق الأكثرية.
اما حقيبة الاتصالات والتي تحسم الأكثرية انها لن تُمنح للمعارضة، فلا يزال يُعمل على حلها من خلال منحها للوزير وليد جنبلاط. وتقول اوساط متابعة ان رفض جنبلاط لهذه الحقيبة ما يزال في اطار التكتيك للحصول على وزارة الاشغال العامة والنقل التي يبدو شبه محسوم انها لن تمنح له، وأن جنبلاط قد يقبل اخيرا بهذه الوزارة في اطار الحل رغم انه صرح بأنه لن يقبل ما وصفه بالهدية المسمومة.
مشروع مصالحة إيرانية سعودية
لكن لماذا يحتاج الجميع الى كل هذه التنازلات؟ وما الذي جرى ويجري اقليميا ودوليا حتى تصبح حكومة لبنان مؤشرا على نضوج صفقات اقليمية دولية من عدمه؟
لم تكن القمة السورية السعودية الا تتويجا لتصور تلاقى عليه غير طرف في المنطقة، برضا اميركي لامس مستوى المباركة، وربما الحثّ. اذ ان الرياض التي تسوق لمبادرتها للسلام (مبادرة بيروت)، وتبادر الى قيادة مشروع عربي، ترى ان الازمة الاميركية الايرانية ذاهبة باتجاه التسوية، من خلال مشروع تسوية يقوم على تخصيب اليورانيوم خارج ايران، وبرقابة اميركية مموهة بمظلة دولية. (علما بأن ما تقوم به الرياض يبقى ضروريا حتى لو تصادم الايرانيون والأميركيون، إذ حينها ستحيد نفسها، وتحيد العرب التي تحاول التزعم عليهم، وإن بالشراكة مع بعضهم).
وتماما كما تحتاج التسوية إلى مناخ ينتجها، فإن الحكمة تقضي التحضير لمناخ يتلقف التسوية، فكيف إن لم تكن تسوية، بل صفقة شاملة. يحرص العرب إذاً على تلقف الحراك الدولي كي لا يظهروا كما لو أنهم استقالوا من دورهم، لصالح حضور إيراني متقدم، وتركي متصاعد. لذا قررت الرياض أن تروج لمبادرتها تحت مظلة قوة تحرج إسرائيل، بل تفرض عليها مبادرة السلام كما يقول السعوديون.
في هذا السياق، اختارت الرياض دمشق مدخلا لها إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا سيما ان مثل هذا الأمر يؤنس الشام التي لطالما رددت منذ عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد أنها ليست نافذة الجمهورية الإسلامية إلى العرب، بل هي نافذة العرب على الجمهورية الإسلامية. وتقاطع ذلك مع تحرك تركي يرضيه أن يكون مدخله إلى المنطقة المساعدة في تخفيف التوترات وإدارة الأزمات التي ينّظر لها الخبير الدبلوماسي التركي داوود اوغلو. كما يتقاطع ذلك مع تشجيع من غير طرف عربي يُنظر اليه على انه ضمن خيار وسط بين غلّو المحاور كما هي الحال مع قطر مثلا التي وإن لم يكن لديها اوراق قوة كبيرة، الا انها تبقى فاعلة من خلال علاقاتها الطيبة مع الاطراف المؤثرة على تعارضها، من ايران وسوريا الى السعودية ومصر مؤخرا، والولايات المتحدة من قبل ومن بعد.
بهذا المعنى تنشط كل من تركيا وسوريا وقطر لجسر الهوة بين طهران والرياض، لكن ذلك يحتاج الى مقدمات منها ترتيب البيت العربي. وترتيب البيت العربي يمر بمسالك متعددة، منها:
- بيروت ـ دمشق، وهذا المسار اصبح سالكا اذ ان معلومات مصدرها دمشق تؤكد ان سعد الحريري سيحل ضيفا على سوريا «الشقيقة» بعد اسبوع واحد من تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. مع الاشارة الى ان زيارة النائب وليد جنبلاط ستبحث بعد ذاك، وليس صحيحا انها حسمت من الآن. وقد عرض السعوديون الامر على السوريين خلال زيارة العاهل السعودي الملك عبد الله الاخيرة، الا ان السوريين قالوا اننا ننظر بالأمر بعد زيارة الحريري. (هذا لا يعني أن دمشق لا ترحب بعودة «ابي تيمور» اليها، لكنها تريد ان تتدرج في «غفرانها»).
ـ دمشق ـ القـــاهرة، وهنا يحسم العارفون أن قمــــة ثلاثية سورية سعودية مصرية سوف تعقد خلال الأســـابيع المقبلة في القاهــــرة لطي صفحة الخلاف العربي وخاصة المصري السوري، علــــما بأن القــــاهرة التي ترحب بالأمر ضمنا، لا تــــزال تتريث في الإعلان عن القـــمة في انتظــار مســـارات أخرى على صلة بســـــوريا في المرحلة المقبلة. فهي تـــريد أن ترى ترجمة واضحة للأمر في المصالحة الفلسطــينية الفلسطيــنية التي كــانت مقررة في السادس والعشرين من الشهر الجاري قبل أن تؤجل.
ويقول العـــارفون إن مؤشرين اثنين، بعد مؤشــــر حكومة الوحدة الوطنية في لبنان، سيظهران في القريب العاجل يؤكدان نضوج الصفقة من عدمه.
الأول، المصالحة الفلسطينية الفلسطينية، وهذا سيتيح عقد القمة الثلاثية في القاهرة..
الثاني، حلحلة ملف ما يعرف بخلية «حزب الله» في مصر.
عندما يتم هذان الأمران، ويسبقهما بطبيعة الحال تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في لبنان، فإن الأمر يعني أن السعودية نجحت في جسر الهوة بين دمشق والقاهرة، وأن تركيا وسوريا وقطر نجحت في جسر الهوة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والسعودية، ومصر تاليا.
وتقول أوساط سعودية مطلعة، إن الرياض تستطيع إذاك أن تبرأ ذمتها، وأن تطرح بقوة مبادرة السلام العربية، بعد أن تكون قد عطلت كل المعوقات الجانبية وتفرغت لهذا الملف، وعندها تحرج إسرائيل. وأما إذا برز معوق جديد، إيراني مثلا، فحينها يسهل على الرياض القول إن العرب قاموا بواجبهم كاملا، وإن الأزمة ستكون، والحال هذه، إيرانية ـ أميركية، لا عربية إسرائيلية.
يبقى إذاً المحدد الأول والأخير، ما سينتج عن المفاوضات الأميركية الإيرانية. علما بأن ثمة من يصرخ دائما لا تنسوا إسرائيل. ربما تقلب الطاولة في أي لحظة تعتقد ان التهدئة في المنطقة، ستكون فرصة لخصومها لزيادة قوتهم بشرعية عربية وإقليمية ودولية هذه المرة.

← Back to Selected Articles