الصراع في الإسلام وعليه "باقٍ معنا" - سيمون كرم (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
مستقبل الإصطفاف السياسي في لبنان، مسألة تصح مقاربتها، في هذه اللحظة على الأقل، بطرح بعض الملاحظات، حيث أن ضراوة الصراع في مكوناته الداخلية وأبعاده الخارجية، تجعل المناقشة المنهجية الموصلة الى استنتاجات أخيرة، مسألة عصية:
أ- يحسن بداية إعلان التأييد لطرح أنت ابتكرته وأعدت تأكيده في أكثر من مقال، رغبة منك على الأرجح في أن يرسخ في أذهان مواطنيك، ويؤثر الى حد ما في سلوكهم، لا أوهام لديك حول تواضعه: عنيت مقولة الإنخراط العضوي للقوى السياسية اللبنانية في تشكلها الحالي في دوائر صنع القرار للمحورين الإقليميين المتصارعين.
ربما يعضد جهدك "التبشيري" في هذا الصدد مشاركة فريدريك هوف لك هذه النظرة – قبل تبوئه منصبه الحالي الحساس- حين أبدى اعتراضه أثناء ندوة عقدت في تركيا قبل سنوات على وصف حسن نصرالله بـ"العميل الإيراني"، مصورا الزعيم الشيعي في هالة "الشريك والند للنخبة الدينية الضيقة الحاكمة في طهران".
أما على المقلب الآخر فالحال ليست مختلفة الى حد كبير، وشواهد الخطاب والسلوك أكثر من أن تحصى؛ هذا فضلا عن عصبية الولاء.
مؤخرا شاركت في إفطار كان مدعوا إليه كوادر من "المستقبل". محور الحديث تركز على موضوع واحد: من بيده السلطة في البلد؟ أما المعيار الوحيد الواحد في تحديد مستوى الإستحواذ على النفوذ، فكان نقاش على من بيده مفتاح صرف المخصصات السعودية في البلاد؛ وهذه، حسب المناقشين، تقسم على أبواب: الإعتمادات الحكومية، مال الدعوة، أعمال الخير، المكرمات الملكية، وأخيرا سائر المكرمات. كان نقاشا مذهلا، وهو نقاش عام، مفتوح لا يخلو من حيوية وصراخ، بحيث لا تصح فيه مسألة أن المجالس بالأمانات...
ب- اللافت هو استمرار الإصطفافين الحاليين، في معزل عن تحقق (أوعدم تحقق) الأهداف الداخلية التي استدعت قيامهما. وقد تذرع وليد جنبلاط في محاولته التفلت من ضوابط الإصطفاف بأن شعارات الحرية والسيادة والإستقلال قد تحققت. هذا طبعا قبل ان يعيده وزير الإعلام السعودي الى شيء من بيت الطاعة...
أما قادة الفريق الآخر، فلا بد أنهم أدركوا أن سوريا، التي خرجوا في 8 آذار لمنع انسحابها، ليست عائدة. ولا يغير من مرارة هذا الواقع دعوات نعيم قاسم لعودة العلاقات المميزة، ولا بطبيعة الحال صياح من هم أدنى منه مرتبة.
أما انخراط ميشال عون الذي أصبح بنيويا هو الآخر في صلب "حزب سوريا في لبنان"، فله علاقة بارتقاء "النكاية" – وهي كما تعلم المحرك الرئيس للسياسة اللبنانية منذ الآباء والأجداد- الى آفاق العولمة!
لا شك في أن هناك على المقلبين المستوى الكافي من المعرفة والتجربة لإدراك أن لبنان لا يقوم إلا على التسويات البناءة. حتى الوصاية السورية التي استهدفت إلغاءه، أي إلغاء الكيان اللبناني، برمجت هدفها هذا في المدى الطويل، وانتجت على المدى القصير تسوية أخرى لكي تحملها، أي الوصاية، وتحمل قواها السياسية وهدفها الإلغائي البعيد. وعندما خرجت من هذه التسوية، وأسقطت القناع عن جوهر الهدف، وجد اللبنانيون طريقة للتخلص منها.
ولكن الواقع هو أن عمق الإرتباط وحرارة ما يجمع داخلنا بالخارج الإقليمي الذي يرعاه لا يتيحان إلا ما علمنا وذقنا خطابا وسلوكا، حتى حفافي الحرب الأهلية الثانية في جيل واحد: هاجسك الكبير!
خلاصة الكلام هو طغيان الأسباب الإقليمية في استمرار الإحتدام الحالي، في معزل عن جشع المصالح لدى قوى الداخل، وهي ليست قليلة...
ج- تبقى مسألة الصراع الكبير في الإسلام وعلى الإسلام. هذه قضية القضايا، ومسألة المسائل، وحجر الرحى فيما نحن فيه واقعون وعليه قائمون.
الصراع في الإسلام وعليه في طول العالم الإسلامي وعرضه، وصولا الى أرجاء المسكونة التي لا يعيش في رحابها مسلمون، والتي ليست بمنأى عما هو جار في "دار الإسلام".
صراع المضمون والهوية والمستقبل هذا، لا يختصره صدام السنة والشيعة الذي راح يتحول واقعا مريرا ومدمرا، هنا وهناك وهنالك. عراك الملل والنحل جانب من المعركة الكبرى حول محتوى الدين ومضمون الثقافة وطموح الحضارة، ومحرك من محركاتها ليس إلا. علما أن الصدام هذا آخذ في تدمير دول وتفتيت كيانات بدءا بالأكثر هشاشة، وإن أخرى بدت لوهلة ثابتة وعصية، تبدو اليوم أكثر اقترابا من عين العاصفة.
قرأت أخيراً كلاما فقهيا لعمر مسقاوي، يقول ما مفاده أنه "بعد أن تشيع من تشيع، واجتهد من اجتهد، فمن بقي هؤلاء هم سواء المسلمين"؛ والمعنى المضمر في هذا القول "أكثرية المسلمين"، الذين أتاحوا لمن أراد حرية الخروج والتشيع والإجتهاد، فإذا بهذا الخارج لا يعدو كونه أقلية ضئيلة. هذا خير تعبير عن نظرة عميقة الى ثقل الذات السنية، والى الآخر الخارج بإرادته، وباق ضئيلا بالنسبة لهذه الذات، أو هو خارج من الإسلام كلاً؟ كما أنه تعبير عن مزاج ونظرة الى الحياة والعالم.
ولكن هناك ما يجانب هذا التوصيف "السلمي" لحال الإسلام والمسلمين، ومؤداه أن من "تشيع واجتهد" يقود الآن، وللمرة الثانية في سياق التاريخ الصاخب والغني لهذه الحضارة، يقود جهدا لكتابة "قانون الإسلام" وفقا لتشيعه واجتهاده.
الدعوة الأولى لتغيير واقع الشريعة والحياة في ديار الإسلام، جرت خلال الطور الثاني للخلافة العباسية. هذا كان جهدا واسعا ومتشعبا في السياسة والثقافة والسلطة على حد سواء؛ وهو جهد حقق نتائج مؤثرة، ليس أقلها أن السلطة في البلاط العباسي كانت ظاهرا للسنة العرب وحقيقة للفرس الذين كانت بدأت إرهاصات تشيعهم وخروجهم.
ثم قامت الخلافة الفاطمية في مصر، وترنحت ممالك المشرق السنية هي الأخرى بين مطرقة الإرهاب الإسماعيلي وسدّان الحملات الصليبية. كانت لحظة في التاريخ أوشك وجه العالم الإسلامي أن يكون مختلفا عما هو قائم في أيامنا.
أخفقت الدعوة في نهاية المطاف، وهي أنتجت "جهادا" سنيا سياسيا وعسكريا حمله فقه إبن تيميه وأقرانه، الذين لم يهدأوا حتى استأصل سلاطين المماليك شأنه الصليبين والشيعة والإسماعيليين مرة واحدة. الدروز والموارنة كانوا أعقل في مداراة حال الغضب السني الجارف، ورغم ذلك لم يسلموا من بطش الموجة المملوكية ولو الى حين...
بعض الإضافات المعبرة على هذه العجالة التاريخية: أن المدى الفارسي البادئ تشيعه آنذاك كان يمتد الى التخوم الشمالية لجمهورات آسيا الوسطى، إضافة الى أفغانستان وقسم من باكستان الحالية. "فارس الكبرى" هذه كانت تشكل الرئة الحضارية للخلافة العباسية في أوج امتدادها الإمبراطوري، وفي قمة مركزيتها وتألقها في قلب الحضارة العالمية. فأين إيران المعاصرة في هذا الشمول والعلو؟ هذا فضلا عن سيادة الفاطميين على مصر التي أصبحت أثرا بعد عين. هذا فقط من باب التذكير بموازين القوى...
ولكن ضراوة المواجهة التي حدثت من القرن الثاني عشر وحتى القرن الرابع عشر دمرت ما اعتبره المسلمون وغير المسلمين على حد سواء العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.
بعد ذلك بقرون نظر جيل اعتبر أن رسالته إحداث نهضة في الأمة، سياسة وإقتصادا واجتماعا، نظر الى تلك القرون ما بين الرابع عشر والتاسع عشر، فسماها "عصر الإنحطاط"؛ آخذا في سورة غضبه والمرارة الناتجة عن سوء أحوال العالم الإسلامي، سلاطين المماليك والإمبراطورية العثمانية على حد سواء، رغم اختلاف المضمون والأثر.
ثم راح أعلام هذا الجيل يطرحون أسئلة جارحة في محتواها ودلالتها، لعل أكثرها تعبيرا: "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟"
الآن لم يعد أحد يطرح أسئلة جارحة، وليس هناك من يقرأ ليعتبر. ربما نحن مدينون لشجاعة عبد الحميد الأحدب الذي كتب مرة في "النهار" ما مفاده "أنه إذا كان ثمن تدمير إسرائيل عودة عصر المماليك، فنحن لا نريد ذلك!"
لا أحد يطرح أسئلة الآن. ساد النمط الذي حذر منه شارك مالك قبل نصف قرن: "منطق نحن وهم"، وهو المنطق الآخذ بتلاليب العالم الإسلامي الى خارج الحضارة الإنسانية. لأن هذه الحضارة واحدة ، ولأن مشعلها كان ذات يوم متوهجا في دار الإسلام، وكان قبل ذلك في منابع أخرى، ولأن انتقاله الى مغارب المعمورة لا يستدعي هذه القطيعة مع النهر الكبير الواحد للتقدم والرقي، ورفض أفضل وأجمل وأنبل ما أنجزته البشرية.
أقران إبن تيمية المعاصرون أطلقوا صيحة الجهاد والحرب الأهلية الإسلامية في آن معا: القرضاوي من قناة "الجزيرة"، وفضل الله، بعد إعادة تأهيله، من تلفزيون "المنار". جهاد ضد الحضارة المعاصرة لأنها خارجة وكافرة، وحرب داخلية للإستحواذ على السلطة في الإسلام وكتابة قانونه. انخراط في منطق "نحن وهم"، ثم نقل المنطق القاتل الى الذات الداخلية ليفجرها.
ماذا لو انهارت بنية الإسلام تحت وطأة هذه الحرب المزدوجة المفتوحة على الداخل من موقع الرفض والتكفير، وعلى الخارج من موقع رفض الحضارة والهجرة الى الماضي؟
لبنان يشكل مختبرا ومفارقة في هذا التأجج: ذروة الهشاشة وقمة المناعة في آن واحد!
نظام سياسي معطل بالكامل، واستحالة أي إصلاح لأنه خارج الموضوع، ثم مجتمع يتدبر أموره بنجاح بالحد الأدنى من الدولة ليبقى على قيد الحياة.
خلاصة الأمر أن المسلمين اللبنانيين، شيعة وسنة، إحيائيين أو رواد حداثة، سوف يبقون على الخطوط المتقدمة في هذا الصراع. إنه يطال حياتهم ومستقبلهم. هذا فضلا عن مقتضيات المزاج اللبناني، حيث التحزب تقليد، والمصلحة عموما دنيئة، والنفس أمّارة بالسوء...
د- المسيحيون وموقعهم في كل هذا؟
ظاهرا هي البيئة الأكثر انقساما، بالمقارنة مع تعسكر المسلمين وراء مرجعياتهم الطائفية-الحزبية. ولكن شيئا من التدقيق قد يقود الى مشهد أقل تبسيطا. فالمسيحيون متفقون على لبنان، كيانا وحدودا ومحتوى سياسيا (مع بعض الردح والنواح بطبيعة الحال). وهم متفقون ضمنا الآن على ضرورة تجنيب البلد مصائب الصدام الناشب بين المسلمين.
ثم إنهم لا يزالون يرون مستقبلهم في لبنان، الكيان الذي ساهموا في صنعه ورسموا ملامحه في مرحلة صعودهم، ضمن إطار منطقة يطمحون أن يسودها السلام والإستقرار السياسي والإزدهار الإقتصادي. هذا على مستوى الرأي العام.
القوى السياسية على مسافة مع هذا الوجدان العميق. هي تحاول كل من جهتها تسويق حليفها المسلم على أنه الأقرب لهذه الاقتناعات الراسخة والمصالح الجوهرية. هنا تأتي المدائح عن اعتدال آل الحريري وانفتاحهم ونمط حياتهم العصري. يقابلها التنظير أن راديكالية "حزب الله" هي ثورة، وكل ثورة هي خطوة في الحداثة، وأن هذه الحداثة مغروسة في باب الإجتهاد المفتوح عند الشيعة، فيما الأصولية هي سنية نهجا وفقها ونمط حياة.
ولكنهم، المسيحيين هؤلاء في عز انقسامهم السياسي وتوحدهم الوجداني لم يعودوا قادرين أن يأخذوا بناصية البلد الى وجهتهم. لقد استنزفتهم الحرب الأهلية، ونزفوا حتى النزع من جراء حروبهم التي لن تندمل جروحها مع استمرار انقسامهم الراهن.
ينظرون الى ما هو جار في البلد من أمور، يعتبروها من الكبائر في قرارة نفوسهم نسبة الى تصورهم الأساسي للبنان، لكنهم لا يملكون غير القبول. ينظرون بازدراء الى رضوخ زعمائهم لما هو قائم.
الأب سليم دكاش الذي ارتقى بكبرى مدارسهم الى مدار فريد، يزعم أن السياسة لم تعد تهمهم في قرارة أنفسهم. وسط كل ضجيج ساحتهم السياسية هناك ما يشبه الإنسحاب اليائس، لأنهم بالسياسة لم يعودوا قادرين على صناعة حاضرهم وصياغة مستقبلهم.
الكنيسة تحاول جاهدة صياغة شيء يشبه الإنطلاق المتجدد. آخر المحاولات كانت تنظيم "المجمع البطريركي الماروني" الذي لم يفلح في إطلاق دينامية جديدة. ثم جاءت "شرعة الكنيسة" في الشأن السياسي؛ أين أصبحت؟
قرنة شهوان كانت آخر المحاولات الجادة في السياسة، وهي كالطفل الذي ولد عييا، ومات بأمراضه في سن الفطام...
تلبنن المسلمين، سنة وشيعة، يبقى ناقصا في نظرهم لأنه غير منعتق من طغيان مصالح النظام العربي، وطموح إيران وجموح سياستها.
إذا دمرت حروب المسلمين لبنان، فمن المشكوك به أن يستطيع المسيحيون استخلاص أرض لهم ووطن من أحشاء الكيان الصريع، الذي شكل طويلا قبلة أحلامهم، والذي ناضلوا من أجله وصنعوه في لحظة ما على صورتهم ومثالهم.
هذه بعض الأضواء إلقيها معك على مستقبل الإصطفافات، الحالية منها أو ما سوف يتشكل مستقبلا؛ إنها تحتل مكانا مرموقا في صراع "واعد".
فالصراع في الإسلام وعليه "باق معنا"، جيلا، وربما قرنا، والله أعلم؟