من يزرع «الباطون» ... يحصد الفيضانات - حبيب معلوف (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
تكثر الشكاوى مع بداية كل موجة مطر غزير، من السيول الجارفة وفيضان المياه... وقد نسينا اننا نحن من تسبب بكل ما يحصل. فأين البساتين والغابات التي كانت في المدينة وحولها؟ لقد اقتلعنا كل شيء وزرعنا مكان كل اخضر، وفوق كل تربة كانت تمتص الأمطار المتساقطة... زرعنا الباطون والإسفلت. فعندما يهطل المطر، لا يجد من يستوعبه، فيفيض.
زرعنا «الباطون» في كل مكان، حتى الانهر وضفافها بطناها، والبحر ردمناه وبلطناه... فإلى أين المفر؟
بدل أن نحافظ على بعض الجلول أمام بعض منازلنا، ونترك تربتها لنزرعها ببعض خضار الصيف وأزهاره، سوينا الأرض وحولناها مواقف لسياراتنا. وقد تفنن البعض وزرع الاعشاب الصغيرة (الغازون)، التي تحتاج الى المياه بشكل يومي، وعلى طريقة مياه الامطار الاصطناعية، حتى إذا جاء المطر الحقيقي، لم يجد من ينتظره ويتشوق لرؤيته واستقباله، فيخرج سريعا غاضبا ... الى البحر، الى المكان الذي لا يشبع منه.
لم نكتف بطمس الاتربة بإسفلت الطرق السريعة والجسور، بل نزلنا عميقا وبنينا الانفاق وزرعنا الباطون في اسفل الارض، ومنعناها بالقوة من امتصاص المطر... ثم رددنا كل فيضان الى غضب الله!
انهمرت حبات المطر أمس غاضبة. كان سقوطها على اسطح البنايات وعلى الطرقات وفي الاقنية الباطونية مدويا، وقد سمعناها تقول، وهي تجمع بعضها بعضا في سيل: «لا احد يريدنا هنا». «لنعد الى البحر بسرعة»!
لم نكتف بطمس التربة بالاسفلت وبالطرق السريعة، حتى الوسطيات، ما بين خط سير وآخر، زرعناها بالباطون وباللوحات الاعلانية ولم نترك تربتها للمطر والخضار!
اعتدينا على مجاري الانهر. بالعمران اعتدينا، بالمقاهي، بالمصانع، بالردميات، بأوساخنا، بالنفايات، ببقايا اثاث منازلنا، بنفايات ومخلفات مصانعنا اعتدينا... حتى حين يأتي المطر متشوقا للعودة الى حضن امه، عرقلنا وصوله... ثم سألنا: لماذا يفيض؟ لا بل سارعنا الى المطالبة بتعويضات!
مسكين وزير الاشغال والاعمال والمشاريع ... الذي سيركض غدا من مكان الى آخر لكي يظهر انه مهتم بمهمته، يتابع متعهد من هنا وأشغال من هناك... في حين ان عمق المشكلة في مكان آخر، في نظام طرق التخطيط والبناء، او على الاصح، في البناء من دون تخطيط. فمن وضع السياسات والقوانين والنظم المدنية هم تجار وسماسرة العقارات، لا مهندسون مدنيون ولا زراعيون. وسيجد نفسه غير مسؤول عن التدخلات السياسية التاريخية التي منعت إيجاد مخطط توجيهي شامل لترتيب الاراضي وتنظيم مدني منظم فعلا، فضربت الفوضى، واكل المضاربون والطماعون كل اخضر! وسيجد نفسه غير مسؤول عن تلك الطموحات التاريخية بـ«زيادة عوامل الاستثمار»، وتسويات ساسة المخالفات و«الطابق المر»... ولا عن قوانين البناء التي حولت المهندسين والمحامين الى سماسرة!
الجبال عندنا لم تعد افضل من المدن. فبدل ان نتعلم من الغابات اناشيد المطر، نحاول اليوم ان نمدّن القرى على وقع قرقعة الطبول المصبوبة بالباطون.
قطعنا الأشجار بشكل جائر، فتركت التربة القمم التي لم تعد تستحقها، ولم تعد المياه المتساقطة تجد من يتلقفها ويمتصها... ثم سألنا: من اين تأتي السيول؟!
تتكاثر في الفترة الاخيرة مشاريع «المدن في القرى»، مشاريع الباطون والاسفلت في عمق الاحراج المتبقية في القرى الوسطية القريبة من الساحل. انها عمليات جديدة لتوسيع النمط المديني المشكو منه، بدل اصلاح المدن وتخضيرها!
من يخطط ومن ينفذ؟! وهل هناك حاجة للتنبؤ بزيادة المساحات الباطونية وزيادة السيول في المستقبل ايضا وأيضا؟
يتحدث خبراء المناخ اليوم عن «انزياح» في الفصول، وفي مواعيد تساقط الامطار، وعن تغير ما في كثافة المتساقطات وليس عن قلتها او زيادتها، بسبب قضية تغير المناخ. الا ان كل ذلك ناجم عن اسباب «إنسانية»، عن انزياح الانسان في طرق تعامله مع الطبيعة. فعبثا نتحدث اليوم عن المسؤوليات، أهي مسؤولية وزارة الأشغال ام الداخلية والبلديات أو وزارة الطاقة أم البيئة ام البلديات ام القطاع الخاص (الملتزم جمع النفايات التي تسد المجاري) أم الناس (الذين يرمون بفضلاتهم هنا وهناك)... إنها مسؤولية الإنسان الحديث الذي بات يعيش بشكل منفصل تماما عن الطبيعة وروحها، المولود في حاضنة والذي يعيش في علبة باطون ويأكل الأطعمة المعلبة ويتنقل في علبة سيارة... حتى يأتي من يحمله في علبة الآخرة. انها مسؤولية إنسان ما عاد يميز بين الرعد وأصوات المفرقعات (التي يطلقها كل ليلة بمناسبة او من دونها)، وبين مياه المطر ومياه بخاخ (دش) الحمام.