ولادة الحكومـة تنتظـر التقـارب.. السـعودي ـ الإيرانـي - عماد مرمل (السفير)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
لا توحي أي من المؤشرات الظاهرة والعائمة على سطح الأزمة السياسية بأن التكليف الثاني لسعد الحريري سيكون قادرا في المدى القريب على تحقيق ما عجز عنه التكليف الأول، وبالتالي فإن أحدا لن يجرؤ هذه المرة على التفاؤل، بدءا من «وكيله المعتمد» الرئيس نبيه بري، الذي ما زال متمسكا بصيامه، ولا يبدو وارداً أن يفطر في العيد، أو بعده بقليل!
ولعل التمعن في الوقائع الراهنة يبين ان مهمة الحريري هذه المرة هي أصعب بكثير مما بدت عليه في المرة السابقة. قبل 73 يوما كانت العلاقة بين سوريا والسعودية أفضل، وكان المشهد الإقليمي أقل سخونة، وكانت أزمة الثقة بين الحريري والمعارضة تحت السيطرة، وكان الرئيس نبيه بري لا يجد حرجا في منح أصوات كتلة التنمية والتحرير لخيار تسمية الحريري خلافا لقرار حزب الله والتيار الوطني الحر بعدم تسميته.
أما اليوم، فقد تغير اتجاه الريح: ما جمعته المصلحة بين دمشق والرياض يفرقه الضغط الأميركي ـ المصري، والوضع الإقليمي يزداد احتقانا بدءا من الأزمة بين سوريا والعراق مرورا بالحرب في اليمن بكل ما تحمله من أبعاد وتحديدا إيرانية ـ سعودية، وصولا إلى الأفق المسدود في أفغانستان وفلسطين. وفي الداخل، الثقة باتت معدومة: عون والحريري خطان متوازيان لا يلتقيان، بري حُشر حتى اضطر إلى الامتناع عن تأييد تكليف الحريري، وصيغة 15+10+5 التي ولدت بصعوبة باتت موضع نقاش من قبل البعض، بل إن مبدأ حكومة الوحدة الوطنية غدا بحد ذاته مجرد «وجهة نظر».
ومع ان أحدا لا يستطيع ان يحسم بالضربة القاضية النقاش حول طبيعة العقد التي تؤخر تشكيل الحكومة وهل هي محلية او إقليمية، إلا ان الاتجاه الغالب لدى الأكثرية والأقلية، على حد سواء، بات يميل الى تحميل الخارج مسؤولية التعطيل، وإن اختلف تعريف هذا الخارج تبعا لزاوية الرؤية وتركيبة التحالفات، فيراه فريق 14 آذار سوريا ـ إيرانيا، بينما يراه فريق المعارضة أميركيا ـ مصريا ـ سعوديا.
وهناك من يعتبر ان المشكلة الحقيقية تكمن في العلاقة المتوترة بين طهران والرياض، والتي تتخذ أشكالا مختلفة في الساحات الساخنة الممتدة من اليمن إلى العراق ولبنان وفلسطين، وبالتالي فإن ولادة الحكومة في بيروت تبدو صعبة ما لم يتم فض الاشتباك او فصل القوات على الجبهات الإقليمية الساخنة، وفي طليعتها السعودية ـ الإيرانية، لأن أحدا ليس بوارد تسهيل تشكيل الحكومة اللبنانية إذا لم يحصل على مقابل في مكان آخر.
وسط هذه المناخات الخارجية والمحلية الملبدة، يواجه الرئيس المكلف تحدي تأليف حكومته، وهو يعلم أن الاعتذار مرة أخرى لن يكون سهلا لأنه سيرتب كلفة كبيرة عليه شخصيا وعلى البلد، فهل ينجح في استثمار «الفرصة الثانية» التي أتيحت له أم انها ستضيع مجددا؟
تقول أوساط الرئيس المكلف ان الحريري لن ينطلق في مشاوراته من تكريس او إلغاء أي فرضية مسبقة، إلا انها تعرب عن اعتقادها بأنه من الصعب في كل الحالات ان يتكرر السقف السابق الذي تم التوصل إليه بعد التكليف الأول، سواء لناحية صيغة 15+10+5 او لناحية التشكيلة الحكومية، متهمة المعارضة بأنها هي التي أجهزت على مبدأ حكومة الوحدة الوطنية وصيغتها الحسابية، عندما رفضت التشكيلة السخية التي عرضها الحريري قبل اعتذاره، لان لا قيمة للقبول بالصيغة ما لم يتم «تسييل» هذا القبول عبر تسهيل تأليف الحكومة.
وتوضح بأن الحريري سيكتفي خلال المشاورات الجديدة بالاستماع الى طروحات مختلف الاطراف ولن يقدم تصوره إلا بعدما ينتهي من غربلة كل الآراء، ولكنها تتوقع ان يسعى الحريري بداية الى تشكيل حكومة تضم أوسع مروحة متاحة من القوى السياسية، كما أوحى في بيان التكليف، وهذه معادلة تفسح امامه المجال إما لتأليف حكومة وحدة وطنية إذا تجاوبت معه المعارضة وإما لتشكيلها «بمن حضر»، من دون ان يقفل الباب في الوقت ذاته على خيارات أخرى او مخارج طوارئ ألمح إليها في بيانه من قبيل حكومة التكنوقراط او حكومة الأقطاب. المهم ان لا التزام مسبقا من قبل الحريري بأي سقف وهو سيخوض مفاوضاته على هذا الأساس.
وترى الأوساط انه إذا كررت المعارضة خلال مشاورات التأليف المقبلة الشروط السابقة التي رفعتها، فهذا سيثبت ان قرار تعطيل تشكيل الحكومة هو قرار إقليمي بامتياز، لافتة الانتباه الى ان من بين رزمة الاقتراحات الايرانية المرفوعة الى الدول الست بخصوص الملف النووي بند يحمل عنوان «تسهيل الأوضاع في لبنان»، ما يؤشر بوضوح الى ان طهران تستخدم الوضع اللبناني كجزء من الأوراق التفاوضية مع الغرب، كما ان ما يجدر التوقف عنده، حسب الاوساط، هو ان السيناريوهات التي ترسمها صحيفة الوطن السورية تطبق حرفيا في لبنان، الأمر الذي يعزز القناعة بأن هناك من يريد لمراسيم تشكيل الحكومة ان تصدر من دمشق وطهران.
وتبدي الأوساط اعتقادها بأنه لو عُين ميشال عون وزيرا للدفاع وجبران باسيل وزيرا للاتصالات فإن المعارضة ستخترع ذريعة أخرى لعرقلة تأليف الحكومة لان الضوء الأخضر الخارجي لتسهيل ولادتها لم يأت بعد، معتبرة ان موقف بري المفاجئ بحجب أصوات كتلته عن الحريري هو دليل إضافي على التأثير السلبي للعامل الإقليمي، وتحديدا السوري ـ الإيراني، على مسار عملية تشكيل الحكومة، مشيرة الى ان بري ارتكب خطيئة لان قراره جعل الفرز الداخلي يتخذ طابعا مذهبيا حادا، بدا معه ان طائفة بكاملها هي الطائفة الشيعية قد امتنعت عن تسمية الرئيس المكلف السني.
في المقابل، يقول مصدر قيادي بارز في المعارضة ان البيان الذي تلاه الحريري بعد تكليفه يشكل محاولة لحفظ ماء الوجه، وخصوصا لجهة تشديده على انه سيلتزم في مسعاه لتأليف الحكومة بمقتضيات الدستور ونتائج الانتخابات النيابية، مشيرا الى ان الحريري يعلم ان لا مفر في نهاية المطاف، إذا أراد النجاح في التكليف الثاني، من تشكيل حكومة وحدة وطنية على قاعدة 15+10+5 والتفاهمات الموازية المتصلة بوجوب التوافق حول المسائل الأساسية قبل عرضها على التصويت في مجلس الوزراء، «وأي بحث في هذه المسلمات سيكون عبثيا، أما التفاصيل المتعلقة باسم هنا او حقيبة هناك فتخضع الى النقاش».
ومفتاح الحل، برأي المصدر، يكمن في ابتعاد الرئيس المكلف عن اللغة الاستفزازية ومنطق تكسير الرؤوس، لصالح اعتماد سياسة الانفتاح وإبداء القابلية لتفهم الآخر، وحينها يمكن للعماد عون ان يبدي مرونة في بعض المواقف والمطالب المتصلبة، أما إذا استمر التعامل معه وفق النمط السابق، فهذا يعني انه لا توجد نية للحلحلة.
وإذ يتوقع المصدر ان يكون التلويح بالتخلي عن معادلة 15+10+5 مناورة سياسية تهدف الى تحسين الشروط التفاوضية، يلفت الانتباه الى انه في حال تبين ان الامر جدي وقرر الحريري الانقلاب فعليا على هذه المعادلة، يصبح واضحا عندها ان اعتذاره في الاساس لم يكن قرارا محليا وأن هناك توجها خارجيا بمنع حكومة الوحدة الوطنية، ما يعني انه لن تكون هناك حكومة حتى إشعار آخر.
ووفقا لمعلومات المعارضة فإن واشنطن والرياض كانتا قد تقبلتا في البداية فكرة حكومة الوحدة الوطنية على اساس ان احمدي نجاد سيخسر الانتخابات الرئاسية الإيرانية، الامر الذي من شأنه ـ وفق السيناريو الذي كان مرسوما ـ أن يفرز المعطيات الآتية:
ـ المرشح الايراني الرابح مير حسين موسوي المصنف بأنه معتدل، سيكون مستعدا للتعاون والتفاهم مع الغرب.
ـ سوريا ستكون مضطرة الى تليين مواقفها على إيقاع التحولات في خط الظهير الإيراني.
ـ حزب الله سيصبح ملزما بالتكيف مع المتغيرات واعتماد الواقعية في سلوكه وخطابه، ما يتيح إدخاله الى حكومة الوحدة الوطنية تحت سقف احتوائه، بدلا من ان يدخل اليها بشروطه.
ولكن فوز نجاد بالرئاسة أعاد خلط الأوراق وقلب الطاولة على رؤوس الذين كانوا ينطلقون في حساباتهم من فرضية هزيمته، وهذا ما دفع الأميركيين إلى إعادة التموضع والضغط على السعوديين، بمساعدة المصريين، لفرملة اندفاعتهم نحو السوريين وتجميد العمل بصيغة 15+10+5 من خلال عرقلة تشكيل الحكومة ورفض التجاوب مع مطالب المعارضة.
وحسب معلومات المعارضة فإن دمشق فوجئت بالموقف السعودي المستجد والذي جمّد فجأة ما كان قد تم الاتفاق عليه، بما يخالف مسار التفاهم الذي كان قد بدأ يذيب الجليد المتراكم على الخط السوري السعودي، فكان رد فعل دمشق بأنها قررت عدم بذل أي جهد لاستئناف التواصل مع الرياض، على قاعدة ان السعودية هي التي تتحمل مسؤولية وقف زخم التفاهم، «ومن يرغب في ان يتكلم معنا، بإمكانه ان يأتي إلينا وعنواننا معروف».