وزارة الداخلية كقلب للنظام السياسي - جهاد الزين (النهار)
An English translation of this item is not available. The original Arabic text is shown below.
العنصر الايجابي الشديد الاهمية الذي يظهر خلال أزمة تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، هو ان السلم الاهلي لا يعيش حالة توتر، بل هو في استرخاء نسبي، على الرغم من ان ازمة التشكيل الحكومي تبدو مرة اخرى ازمة نظام سياسي برمته.
السبب في هذا "الانفصال" الراهن بين عجز الصيغة السياسية للحكم وبين استتباب "الصيغة" الامنية ان الثانية باتت تستمد ديناميتها من رافد تصنعه ارادات سياسية اقليمية لا يحتاج - عمليا وليس شكليا – الى دور الدولة الامني بل الى انعكاس هذه الارادات المباشر على توافق قوى داخلية اساسية تمسك عبرها بالشارع المذهبي وتمسكه كما لم تمسكه في اي وقت سابق من تاريخ دولة "لبنان الكبير".
... في النهاية ستشكّل الحكومة مهما امتد هذا التعثر وسنرى حصيلة محاولة الرئيس المكلف امس لكسر هذا التعثر. لكن أزمة النظام السياسي، الذي هو دائما – للتذكير – النظام الطائفي القوي ذو الدولة الضعيفة، تفرز بعض السمات في العلاقات السياسية والتي لا تظهر الا عندما تكون هناك "ازمة وطنية".
السمة التي نريد ان نطرحها هنا، انطلاقا من بعض الوجوه الاساسية المرافقة للمداولات الحكومية حول توزيع الحقائب... هي:
سمة "عدم الائتمان".
ولعل هذه السمة طالت التصارع على وزارة الداخلية، بما يذكّر بفصل او فصول من التاريخ الحكومي اللبناني قبل العام 1975 ظهرت فيها هذه الوزارة – وزارة الداخلية – فجأة وكأنها "قلب" النظام السياسي، الذي يتولاها في لحظة سياسية معينة مقبول للقوى التي تمسك "الدولة" فعليا وتمثل لبنان عبرها، والذي لا يتولاها كما لو انه خارج على "النظام".
كان رجل تلك التجربة الحقيقية جدا... هو كمال جنبلاط. ففي العام 1973 وابان تشكيل حكومة تقي الدين الصلح في عهد الرئيس سليمان فرنجيه طرح كمال جنبلاط وكتلته ومعه حلفاؤه اليساريون النافذون في الشارع يومها ان يتولى جنبلاط وزارة الداخلية في جو عاد يتأزم بين الدولة اللبنانية وتحديدا رئيس الجمهورية والجيش وبين الفصائل الفلسطينية. كان "الرهان" يومها عند العديدين ان وجود كمال جنبلاط على رأس وزارة الداخلية سيكون عامل ضبط للعنصر الفلسطيني وعامل تهدئة للعنصر "المسيحي" المقابل الذي كان بدأ رفض الامر الواقع الفلسطيني المدعوم من موجة اسلامية – يسارية عارمة.
امام هذا الطرح وضع "زعماء الموارنة" وتحديدا الرئيس سليمان فرنجيه وبيار الجميل وكميل شمعون "فيتو" صارما على تولي كمال جنبلاط للحقيبة. كانت التجربة الاخيرة للزعيم الدرزي في الوزارة تعود الى العام 1969 وكان مؤيدو توليه يعتبرونها – اي التجربة – مرجعية صالحة لتجديد ذلك، بسبب دوره في استيعاب ذيول صدام "الكحالة" الشهير كذلك لقدرته على ادارة حوار من موقع قوي مع الفلسطينيين لصالح الدولة.
لم يكن هذا هو التقييم نفسه عند "زعماء الموارنة". بالعكس لقد توصلوا يومها الى قناعة ان كمال جنبلاط اصبح حليفا نهائيا لمنظمة التحرير وسيلعب في "الداخلية" دورا لصالحها ضدهم.
لقد بدا الموقف عمليا يومها وكأنها "المارونية السياسية" اتخذت قرارها النهائي باعتبار كمال جنبلاط "غير مؤتمن" من "النظام السياسي" الذي تمثل حتى لو كان ما كان عليه كركن من اركان الحياة السياسية. وحتى لو كان عين وزيراً للداخلية مرتين في السابق عام 1961 واستمر حتى عام 1964 في حكومة رشيد كرامي ثم مرة ثانية عام 1969. كان موقفا مثيرا فعلا وشديد التعقيد. رفض فرنجيه وشمعون والجميل تولي كمال جنبلاط للداخلية كشخص وقبلوا اعطاءها لعضو مهم من اعضاء كتلته البرلمانية: بهيج تقي الدين !
... كانت تلك تجربة على المستوى الشخصي، اعتقد، انها قد تكون ساهمت في دفع كمال جنبلاط الى المزيد من الراديكالية ستؤدي بعد عامين الى تبنيه خلال الحرب الاهلية مشروعاً عسكرياً راديكالياً للتغيير في جبل لبنان... اودى بحياته بنتيجة الامر.
وزارة الداخلية اطلت مرة اخرى كـ"عنوان" للنظام السياسي في العام 2005... الى اليوم. لا بل كـ"قلب" لهذا النظام. فمع تولي "تيار المستقبل" لها – ايا تكن الاسماء – اثر القرار 1559 مارست وزارة الداخلية دورها في 2005 – 2008 باعتبارها الوجه الامني لـ"النظام الجديد" وانعكس ذلك في تشكيل "فرع المعلومات" الذي بدأ دوره ذا شقين: خارجي ضد "الاصولية القاعدية" ومشتقاتها وداخلي ضد اخصام مرحلة ما بعد الخروج السوري العسكري من لبنان. كان هناك في المنطقة في الفترة نفسها وزارة داخلية اخرى يجوز مقارنتها بالوزارة اللبنانية هذه او مقارنة "الداخلية" اللبنانية بها هي وزارة الدخلية العراقية كـ"عنوان" للتوازن الغالب في النظام السياسي او كـ"قلب" له في المعركة على الامن الداخلي داخل جو محتقن في الشارع.
ادت مواجهة 7 ايار 2008 الى اعادة "تحييد" الدور الداخلي لوزارة الداخلية سياسيا. تحييد لم يغيّر التعديلات التي حصلت في بنيتها الادارية والامنية ولكنه عبر اتفاق الدوحة وضعها في عهدة موقع رئاسة الجمهورية "المحايد". وكما اظهرت تجربة "وزارة داخلية" ميشال سليمان، فإن "داخلية" محايدة حتى لو تولاها وزير "راق" كزياد بارود لا تستطيع ان تفعل اي شيء جوهري في تعديل ادارة النظام الطائفي القوي للعملية السياسية، ولا تغيير نتائجها. وهذا هو درس الانتخابات النيابية الاخيرة من الجنوب الى الشمال، فلا استطاعت التغيير في السيطرة الامنية على الارض هنا ولا في السيطرة على السجلات هناك، مع التقدير للجهود في مجال السير ونظمه، والتهيئة لبعض المشاريع المستقبلية التي نرجو ان لا تُذبح على مذبح "الطبقة" السياسية كحق اعطاء المرأة الجنسية لاولادها. (في المرحلة المقبلة إذا عاد زيارد بارود وزيراً نتمنى أن يكون في وضع يجعله منشغلاً أكثر بالقضايا الجوهرية - على صعوبتها - من اضطراره بسبب ضغط النظام السياسي الى الانشغال بصورته الشخصية. فهذا النظام يحبذ إغراق أمثال بارود بالأمور الشكلية، ولكن المسألة تتطلب منه أن يساهم بدفع القابليات الشخصية لرئيس الجمهورية الى محاولة الخروج من حياده السلبي عندما يطمئن الى استقرار الوفاق الوطني ولو نسبياً، عبر المجازفة بطرح مشاريع جوهرية على النقاش العام... قدر المستطاع).
اعادت نتائج الانتخابات النيابية "وزارة الداخلية" الى الواجهة كـ"عنوان" للنظام السياسي مع السجال على من يتولاها بين "تيار المستقبل" و"التيار الوطني الحر". هذه المرة، حقيبة الداخلية موضوعة ضمن سلة "تسووية" بالنتيجة هي "الوزارات السيادية". لكن سمة "عدم الائتمان" سيتضح مآلها لاحقا في ما اذا كانت ستصل الى حدود الدفع خارج "النظام" او ستبقى نتيجة اختلاف الظروف عن الوضع في السبعينات، في حدود التجاذب الذي يجعل كل الحقائب قابلة للاقتسام او "المداورة" حسب تعبير الرئيس المكلف امس. فمن هي الجهة التي تقرر بعد او القادرة على التقرير من هو مؤتمن وغير مؤتمن من "النظام"؟
يجب دائما ان ننهي اي جملة بعلامة استفهام. فالصراع بعد العام 2003 يدور على "هوية" الدولة في دولتين كالعراق ولبنان وهو من العام 2005 في لبنان يختلط بلغة مزدوجة لدى القوى السياسية يفرضها الصراع على آليات تطبيق "اتفاق الطائف" بدون المرجعية السورية...
واذا كانت الدولة اللبنانية بتكوينها الفعلي "الفيديرالي" و"تكوينها" النصوصي المركزي باستطاعتها ان تنبض بقلوب متعددة وليس بقلب واحد نتيجة التوافق الاقليمي الممسك مباشرة بأقوى قوى النظام، فان وزارة الداخلية هي المسرح المعلن للصراع على القلب الامني للدولة... باعتبار – من حسن الحظ – ان العنوان الاكبر الآخر وهو الجيش موضوع خارج "السجال".
موضوع خارج السجال، وليس خارج موضوع السجال